بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

”المتخيَّـل السّـردي” .. بين فتنـة الحَـكي وضيـاع الفكـر

2025-11-01 537 قراءة مقالات فكر صابر النفزاوي
1
لقد تحوّلت قـراءة الــرّوايــــــــات عندنـا -نحن العـرب- إلى ظـاهرة لافتة ومخيفـة ما فتئت تتمـدّد وتتوسّـع بما يتهدّد عقـولَ الشبـاب الذين باتوا يفضّلون التهام نص أدبي قُدّ من خيـال الكاتب على فتح كتاب فكري يصِلهم بمحيطهم ويمنحهم أدوات فهمه وتفكيكه وتحديـد شكل التعـامل المعرفي معه !..

لقد عمّـق الإقبـال الخرافي على الرواية حالةَ ”الخلل الاستراتيجي” الذي صنعَته منظوماتنا التعليمية البـائسة بما حوّل القارئ النّهم للنصوص الروائيّـة إلى ظهير عملي وحليف موضوعـي للسلطة السيـاسيّـة، فهو أشبَـه ما يكون بالمتصوّف المستقيـل من الشأن العـام، البعيد عن جبهـات الحرب الثقافيّـة المفتوحـة على الإسلام والمسلمين !..

إذ يكـاد يتحوّل نهَـم الدوران حول القصّ والحَـكي إلى ”ظاهرة أنطولوجيّـة” تُعيد تشكيـل الوعـي عبـر ”تموضعـات خيـاليّـة” تُنتـج ”استلابًـا معرفيًّـا” لصـالح ”السلطـان” ..

ولا يُفهَمَـنّ من كلامنـا هذا أنّنا نشنّـع على الروايات أو على من يقرؤها تشنيعًـا مطلقًـا، إذ إنّ فنّ الروايـة -إلى جانب وظيفته الترفيهيّـة- لا يخلو من فوائد تتّصل بتكوين ”ذائقة لغويّـة” وبتجذير القيم الأخلاقيّـة والتوثيـق الفني للتاريخ وتعزيـز حالة ”العصيان الثقافـي” وبناء لاوعي جمعي مقـاوِم يتسلّل إلى أذهان القرّاء من صغار السنّ، وإصـابة شيء من العمـق الفلسفـي والإنسـاني خصوصًـا ذلك الذي يمنحـه الأدب الروسي،، نـاهيك عن تغذيَـة ”الخيـال” الّذي هو -على عكس ما يظن البعض- شديـد الأهميّـة في علاقة بالتفكيـر السيـاسي الاستراتيجي، فدون تفعيل ملَكة التخيّـل يتعذّر إبداع وسـائل عمل جديدة أو إنتـاج تصوّرات لحلول عمليّـة من خـارج الصّندوق !..

الإشكال -في ما نزعم- يكمن في تنزيل الروايـات منزلة لا تستحقّهـا في سلّم التحصيل الثقافي، وبالتالي إهدار الوقت والجهد في تتبّع خطّ سير ”الـبطل” وما يعترضـه من عُقَد دراميّـة بما لا يعود بنفعٍ يُذكَـر على زادنا المعرفي ومنهجنا العلمي وجهازنـا المفهومـي !..

فمِن باب أَولى وأحرى التركيـز على القراءات الفكريّـة والشرعيّـة ولاسيّما ونحن نعيش عصر العلمنـة المعمَّمـة بما يرافقهـا من موجـات التغريب والإلحـاد و ... الخواء الذهنـي والروحـي !..

فنحن بهذا المعنـى لا ننكـرُ أنَّ الروايـة تحمـل في أحشـائهـا ”إمكانـات تأويليـة” قد تُسهـم في تشكيـل ”ذاوات مقـاوِمـة” عبر خلـق ”تركيـبة نفسيّـة” حبلـى بـقيـم التمرّد عبر الانزيـاحات الرمزيّـة”أدب الدكتـاتور” في أمريكا اللاتينيّـة/”الأدب ما بعد الاستعماري”،، لكنّ الخطـر الكـامن في الانزيـاح من ”الحقل الدلالي المنضبط” إلى ”الحقل الانفعـالي” يجعل النص الروائي أداةً لـتصحيـر الوعـي حيث تُعوَّض المسـاءلات الفلسفيّـة بـدرامـا عاطفيّـة تبتلـع الزمـن العقلي دون أن تخلق ترسـانـات ”المعنـى” القـادرة على مواجهـة الاختراقـات الثقافـيّـة !..

وإن كنّـا نقـرّ بـمساهمة التخييـل الروائـي في إنتـاج ”لاوعي جمـالي” إلاّ أنّه من الضروري التنبّـه إلى أنّ هذا ”التخييـل” يظل في النهـاية ”تمرينـا تأمّليًّـا”، وهذا ”التمريـن” -رغم أهميتـه- لا يرقـى إلى ”الخطـاب التأسيـسي” وبالتـالي لا يمكن أن يعوّض ”الجهـاد المفاهيمـي” المطلوب لمواجهـة ضجيـج العلمنـة وحملات الاستئصـال الهُووي ..

إنّ الاستسلام المطلَـق لإغراء الروايـة وإغوائهـا على حساب القراءات الفكريّـة والشرعيّـة لا يُسطِّح تفكيـرك فحسب بل يشوّهـه ويرسّخ فيه حالة من ”العطالة البنيويّـة” ويجعله أقلّ قدرةً على الصّمود أمام لَوثـات الأفكـار المنحرفـة،، حيث يشكّـل الهـروب إلى ”المتخيَّـل السردي” ”انكسـارًا ابستمولوجـيًّـا” يعكس أزمـة اتصـال بين الذات المتلقّيـة وبين تشـابكـات محيطهـا وتعقيداتـه الموضوعيّـة !..

التعليقات والردود

1
فوزي
2025-11-01
نعم، الأدب يصور باهمية مضخمة
الإشكال -في ما نزعم- يكمن في تنزيل الروايـات منزلة لا تستحقّهـا في سلّم التحصيل الثقافي، وبالتالي إهدار الوقت والجهد في تتبّع خطّ سير ”الـبطل” وما يعترضـه من عُقَد دراميّـة بما لا يعود بنفعٍ يُذكَـر على زادنا المعرفي ومنهجنا العلمي وجهازنـا المفهومـي !..


نعم، الروابة وعموما النصوص الأدبية تأخذ أهمية أكبر مما تننجه من امكانبات تغييرية للواقع

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال