بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

عبد الله قش... حين يُغتَال الولي ويُصنَّف عنوانًا للرذيلة

2025-11-01 860 قراءة مختلفات عماد عيساوي
في تونس، في قلب المدينة العتيقة، توجد زنقة قد لا تثير فضول السائحين، لكنها تثير خجل التاريخ: نهج سيدي عبد الله قش.
زنقة ضيّقة، متكئة على جدار قرون، لكنها حبلى بكل مفارقات الدولة والذاكرة والنفاق الاجتماعي.
زنقة باسم وليّ صالح... لكنها تحت وصاية الداخلية، تمارس فيها الدولة تنظيماً للبغاء منذ 1942.
فهل هذه مدينة؟ أم متحف خيانة للأسماء؟

من هو عبد الله قش؟
سيدي عبد الله قش كان وليًا من القرن الرابع عشر، في عهد الدولة الحفصية.
هذا الرجل لم يكن مجاهدًا ضد الاحتلال، كما تُروّج بعض صفحات التواصل، بل كان صوفيًا ناسكًا، عاش ومات قبل مجيء الاستعمار الفرنسي بأربعة قرون، أي قبل أن تُخترَع فرنسا الحديثة أصلًا.

مكانته بين الأولياء كانت معروفة، وكان له زاوية أو مقام، شأنه شأن عشرات الأولياء الذين عُمّرت أسماؤهم في المدينة العتيقة. ولم يكن يحمل من الدنيا إلا اسمه، وإرثه الروحي.

كيف صار اسمه زنقة؟
من تقاليد تونس الإسلامية والعثمانية أن تُسمّى الأنهج والأحياء بأسماء الأولياء:

نهج سيدي محرز،

سيدي سريدك،

سيدي قادوش...
ولم يكن نهج سيدي عبد الله قش استثناءً.

لكن الغريب أن السلطات العثمانية، كما وثّق الباحث عبد الحميد لرجقو، كانت تُطلق أسماء الأولياء على حارات الدعارة أيضًا، وكأنها تُدجّن الخطايا بقداسة الأسماء، أو تمزج بين "الوليّ والتوبة" كغطاء لنشاط مكبوت.

فالزنقة لم تكن ماخورًا في البداية، بل مجرّد زقاق قديم يحمل اسم ولي.
ثم في مرحلة لاحقة – خلال الاحتلال الفرنسي – بدأ تخصيص هذا الحيّ للدعارة، فتدريجيًا، صار الاسم القدسي مرتبطًا بالنشاط المحرّم.

من الزهد إلى "تنظيم" الدعارة: زمن القوانين المهينة
عام 1942، في زمن حكومة فيشي الخاضعة للنازية، سنّت السلطات قانونًا ينظّم الدعارة في تونس.
منذ ذلك التاريخ، أصبح الزقاق يُدار إداريًّا وقانونيًّا. العاملات يُسجّلن في دفاتر الأمن، يُخضعن لفحوص طبية، ويُفرض عليهن العمل تحت رقابة الدولة.

في الستينيات، زمن بورقيبة، لم يُغلق الماخور بل استمر، باسم "التنظيم" و"الحماية الصحية".
بل أكثر من ذلك: كانت تونس تحتوي على 12 ماخورًا رسميًا.
لكن بعد 2011، وفي ظلّ صعود الإسلام السياسي، أُغلق منها 10، ولم يتبقَ سوى اثنين:

ماخور سيدي عبد الله قش في تونس العاصمة،

وماخور باب الخوخة في صفاقس.

الزنقة التي لا تنام... في مرمى الحلال والحرام
في 18 فيفري 2011، اقتحم مئات المتظاهرين الزقاق مطالبين بإغلاقه، بدعوى “تطهير العاصمة من الرذيلة”.
أُزيلت اللوحة التي تحمل اسم الولي، رُفعت السلسلة الحديدية عن الباب، وأصبح الحي يعيش حالة طوارئ دائمة بين سُلطتين:

سلطة الداخلية التي تعتبره “نقطة مراقبة”،

وسلطة الشارع الديني الذي يراه بؤرة إثم يجب تطهيرها.

اللافت أن العاملات في الزنقة طالبن بحقّهن القانوني في العمل، وهدّدن بالاعتصام إن أُغلق المكان دون توفير بدائل اجتماعية.

خيانة مزدوجة
المدينة لم تخن عبد الله قش مرّة واحدة، بل مرتين:

حين سمّت زنقة باسمه ولم تصنه؛

ثم حين تركته سجين ربطٍ زائف بين "الولي" و"الدعارة المنظمة".

فما قيمة الاسم إن لم يُصن؟
وما جدوى التاريخ إن كنا نُدوس عليه بأقدام قوانيننا الغريبة؟

سيدي عبد الله قش...
أنت لستَ حيًّا في الزنقة، بل مقتولٌ فيها.
اسمك أُخذ كدرع قانونيّ لفضيحة أخلاقية تمارسها الدولة تحت عناوين "الوقاية" و"التنظيم".

في المدينة التي لا تغفر، وذاكرة الدولة التي تمسح صفحاتها بمنشور وزاري،
يُحوَّل اسم وليّ إلى علامة تجارية للجسد،
وتُغتال البركة بالصمت الرسمي،
وتُمارَس الرذيلة تحت لافتة تحمل اسم رجل كان لله.

هذا ردّ اعتبار لا اسمًا
إن لم نستطع إغلاق الزنقة، فلنغلق فم التاريخ الذي يبتلع أولياءه.
لكنني هنا، أكتب لا لأصلح الزقاق، بل لأصلح الذاكرة:
أنتم خطأ في دفتر المدينة،
وسيدي عبد الله قش... هو الصواب المطمور تحت ركامكم.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال