في زمنٍ يختصر فيه العالم نفسه في شاشة، ما زالت دولٌ كثيرة، ومنها تونس، تعيش في زحمة الملفات والاختام.
الإدارة عندنا تشبه المتحف: جميلة من بعيد، متعبة من الداخل.
لكنّ العالم تغيّر، والبيروقراطية صارت عدواً للنمو، والوقت أصبح ثروة لا تقل عن النفط.
تونس اليوم أمام منعطفٍ رقميّ تاريخيّ:
إما أن تعيش بعقلها القديم، أو تبني منصة وطنية موحدة تُحوّل الدولة إلى عقلٍ إلكترونيّ شفاف، يتحدث لغة المواطن ويستجيب له بالذكاء لا بالانتظار.
الفكرة الجوهرية: "منصة واحدة... دولة واحدة"
المشروع يقوم على إنشاء منصة رقمية وطنية تجمع كل مؤسسات الدولة في واجهة واحدة.
منها يتواصل المواطن مع أي إدارة، يقدم طلباته، يتابعها، يتلقى الإجابات، ويقيّم التجربة.
لا حاجة لمعرفة الجهة المعنية أو طرق التقديم.
الذكاء الاصطناعي المدمج في المنصة يقرأ مضمون المطلب ويوجهه تلقائياً إلى الجهة المختصة.
كل طلب له رقم تتبع خاص، يتيح للمواطن معرفة مكانه وزمن معالجته، في نظام لا يعرف الضياع ولا "رجع غدوة".
من الخدمة إلى المساءلة الرقمية
ليست المنصة مجرد وسيلة لتقديم الخدمات، بل أداة لقياس الأداء المؤسسي.
فبعد كل طلب، يُمنح المواطن حق تقييم المؤسسة من 1 إلى 10.
تُجمّع هذه البيانات لتُشكّل خريطة أداء وطنية حيّة تظهر فيها المؤسسات الأكثر كفاءة والأضعف أداءً.
بهذا، ننتقل من دولة “تُبرر” إلى دولة “تُحاسب بالبيانات”.
الإصلاح بلا دماء
المنصة لا تُلغي الوظائف، بل تُلغي العطالة المقنّعة.
تُعيد تأهيل الموظفين من إداريين ورقيين إلى مساعدين رقميين، وتفتح أبواباً جديدة لوظائف عالية القيمة: محللو بيانات، مراقبو جودة رقمية، مطورو نظم، مشرفون على المنصة.
الموظف المتقاعس لن يجد ملاذاً بعد اليوم، لأن الأداء أصبح مرئياً ومُقاساً.
أما الكفء فسيُكافأ تلقائياً في نظام يعتمد الجدارة لا الواسطة.
الجدوى الاقتصادية والسياسية
الكلفة التقديرية لا تتجاوز 15 مليون دينار في ثلاث سنوات،
لكن العائد يُقدّر بأكثر من 2 مليار دينار سنوياً من تقليص الهدر والفساد وتسريع المعاملات.
كل ساعة عمل رقمية ستعوّض أياماً من الانتظار في المكاتب.
وكل مواطن سيشعر أنه جزء من دولة تتفاعل لا تتوارى.
كيف تُحارب المنصة الرشوة
لا تواصل مباشر بين المواطن والموظف، بل بين المواطن والنظام.
كل طلب مسجّل برقمه وتوقيته، فلا يُمكن إخفاؤه أو التلاعب به.
تقييم المواطنين يجعل المؤسسات تحت رقابة المجتمع.
الذكاء الاصطناعي يكتشف الأنماط المشبوهة فوراً — تأخير غير مبرّر، تكرار شكاوى، ملفات تُعلّق عمداً.
تُنشر مؤشرات الأداء علنًا، فيتحول الفساد إلى عارٍ رقميّ.
الشروط الضرورية
قرار سيادي جريء من رئاسة الجمهورية أو الحكومة لإطلاق المنصة الوطنية.
هيئة عليا للتحول الرقمي مستقلة، تشرف على التنفيذ والربط بين المؤسسات.
إطار تشريعي جديد يعترف بالمعاملات الإلكترونية والتوقيع الرقمي والمساءلة الرقمية.
تكوين شامل للموارد البشرية لتحويل الوظائف من ورقية إلى رقمية خلال ثلاث سنوات.
المكاسب الكبرى
اختصار زمن المعاملات من أسابيع إلى ساعات.
تعزيز الشفافية والثقة.
رفع تصنيف تونس إلى ضمن أعلى 40 دولة في مؤشر الحكومة الذكية.
جعل الدولة منصة إنتاج وابتكار، لا طوابير ومكاتب مغلقة.
تونس الجديدة
تونس التي تُدخل نفسها إلى المنصة، تدخل القرن الحادي والعشرين من بابه الأوسع.
هي لا تبيع حلمًا إلكترونيًا، بل تبني عقدًا اجتماعيًا جديدًا بين الدولة والمواطن.
فالإدارة ليست مبنى من الإسمنت، بل نظام ثقة.
والدولة الحديثة لا تُدار بالخطابات، بل بالبيانات.
حين تتحول الإدارة من طابور إلى خوارزمية
2025-10-31
664 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال