لم يكن المال الأجنبي يوماً بريئاً، ولا كانت المنح سوى حصان طروادة ناعم، يقتحم الدولة من نوافذ المشاريع الجمعياتية وخطابات التنمية.
تونس اليوم، تعيش تحت رذاذ هذا المال كما يعيش المريض على المصل، يظن أنه يستعيد عافيته، لكنه في الحقيقة يفقد مناعته الوطنية كل يوم.
من الاتحاد الأوروبي إلى الـUSAID، من الـGIZ إلى الـAFD، من صناديق الخليج إلى الأمم المتحدة، الجميع يمد يده لتونس، لا حباً فيها، بل خوفاً من خروجها من دائرة النفوذ الغربي، ولأنها آخر حزام أمان في جنوب المتوسط.
كل تمويل يحمل مشروعاً، وكل مشروع يحمل فكرة، وكل فكرة تحمل وصاية.
تُمنح الأموال لتونس باسم “التمكين”، لكنها تمكّن الآخر من القرار. تُوجّه لدعم “المجتمع المدني”، لكنها تُحوّله إلى شبكة نفوذ تتحدث لغات الممولين أكثر مما تتحدث لغة الوطن. الجمعيات التي كانت يوماً صوت الشارع أصبحت في كثير من الأحيان مكاتب تنفيذٍ لبرامج أجنبية تُدار من وراء البحار، بتقارير بالفرنسية وأهداف بالإنجليزية.
في الظاهر: دعم وتمكين وتنمية.
في الجوهر: إعادة هندسة للعقول، وتوجيه للمسارات.
إنها وصاية مغلفة بالشفافية، استعمارٌ ناعم يرتدي بدلة الإغاثة.
لكن الحل ليس في الصراخ ولا في القطيعة.
فالعالم اليوم لا يُدار بالمنع، بل بالعقل التكنولوجي السيادي.
نحن في عصر الرقمنة، حيث المعلومة هي السلطة، والمعلومة هي السيادة.
من هنا تبدأ المعركة الحقيقية: معركة السيطرة على التمويل بالبيانات لا بالشعارات.
يجب أن تبني تونس منصّة سيادية موحّدة، تُعرف باسم مثلاً TunisData Sovereign Hub، تكون فيها كل الجمعيات، كل التمويلات، كل المشاريع، تحت رقابة رقمية فورية.
منصّة تشتغل بالذكاء الاصطناعي، تربط البنك المركزي بوزارة المالية وبالهيئة العليا للرقابة وبالمجتمع المدني نفسه.
كل دينار يدخل يُرصد في الزمن الحقيقي، من المانح إلى الجمعية، من الجمعية إلى المستفيد، مروراً بكل مرحلة تنفيذ.
ليس على الورق، بل على خوارزميات شفافة لا يمكن تزويرها، مستندة إلى تقنية Blockchain الوطنية.
تُحوَّل الرقابة من سلطة إدارية متأخرة إلى رقابة ذكية استباقية، تكشف أي تمويل غير منسجم مع أولويات الدولة في لحظته.
تُعطى الأولوية للتمويلات التي تخلق قيمة إنتاجية حقيقية في الداخل، وتُقيَّم المشاريع آلياً وفق مؤشرات الأثر الاجتماعي والاقتصادي، لا بناء على التقارير الدعائية.
بهذا، يتحول التمويل الأجنبي من “وصاية مالية” إلى شراكة تنموية مراقبة، ومن مصدر قلق إلى مصدر طاقة.
الرقمنة هنا لا تُستخدم لتكميم الجمعيات، بل لإطلاقها في إطار من الشفافية والعدل.
كل جمعية تعرف موقعها في المنظومة، وكل ممول يعرف أن أمواله تُراقَب لحظة بلحظة، لا من الأمن بل من خوارزمية وطنية ذكية.
هكذا فقط تتحول تونس من متلقٍ إلى مُراقب، ومن دولة ممولة إلى دولة تحكم المال الأجنبي بالعقل الإلكتروني.
وحين تمتلك المعلومة، تمتلك السيادة.
فلا وصاية على من يعرف كل رقم في بلاده، ولا هيمنة على من يرى حركة أمواله كتيار كهربائي في شريان الوطن.
الذكاء الرقمي هو السلاح الجديد للسيادة،
والتمويل الأجنبي، إذا وُضع تحت عينٍ رقمية وطنية لا تنام، يمكن أن يصبح وقوداً للتنمية لا قيداً على القرار.
السيادة اليوم ليست في رفع الشعارات، بل في امتلاك المنظومة الرقمية التي ترى، وتراقب، وتقرر.
وحين تمتلك تونس هذه المنصّة السيادية، ستتحول من ساحة للتمويلات إلى عاصمة للشفافية الذكية في شمال إفريقيا.
فالرقمنة ليست رفاهًا إداريًا،
إنها ببساطة استعادة السيادة بالعقل.
التمويل الأجنبي في تونس… بين التنمية والوصاية الرقمية
2025-10-31
558 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال