الحمامات مدينة تشبه الأسطورة، تولد كل صباح من البحر وتموت كل مساء على رماله، لكنها اليوم تترنح بين مجد قديم وضياع حديث. مدينة كانت لؤلؤة المتوسط، محطة الشعراء والعشاق، ووجهة النخبة والفكر، تحولت مع مرور السنين إلى مرآة لما آل إليه حال البلاد: جمال مهدور، ثروة تدار بعشوائية، وسلطة عاجزة عن فهم معنى المكان. من هنا مر الرومان وسمّوها بوتبوت، ومن هنا مرّ العرب فغسلوها بالهوية، ومن هنا مرّ التاريخ وترك فيها بصمته من جدران القصبة إلى أزقة المدينة العتيقة التي ما زالت تتنفس عبق القرن الماضي. لكن ما الذي بقي اليوم من تلك الروح؟
في التسعينات، عندما أعلن النظام عن مشروع ياسمين الحمامات، حلم الجميع بمدينة جديدة توازي كبرى المنتجعات العالمية، مدينة تُعيد لتونس بريقها السياحي وتكسر موسمية السياحة. غير أن الحلم، ككل الأحلام التونسية، اختنق في منتصف الطريق. البنايات قامت، لكن الفكرة غابت. الفنادق امتلأت، لكن الروح غابت. مدينة ولدت لتكون ماربيا تونس صارت مجرد مولٍ مفتوح على الملل، بلا تخطيط، بلا رؤية، بلا هوية. وكأن من رسمها لم يفهم أن السياحة ليست إسمنتًا وأضواءً بل فكرة تنبض بالحياة.
اليوم تمتلك الحمامات أكثر من مئة وسبعين نزلًا، تستقبل آلاف السياح سنويًا، وتوفر جزءًا مهمًا من مداخيل الدولة. ومع ذلك، تبدو المدينة كعجوز جميلة تضع مساحيق كثيرة لإخفاء تعبها. السياحة فيها موسم عابر، تنام المدينة تسعة أشهر وتصحو في شهري الصيف لتختنق بالازدحام والضجيج. الشوارع لا تتسع، الطرقات مهترئة، والنقل العام غائب، كأن الزمن توقف فيها عند بداية الألفية. البنية التحتية متآكلة، والإدارة بطيئة، والاستثمار يخشى المجهول. حتى البحر الذي كان صديقها الأول، انقلب عليها اليوم وعدوّها الأخطر.
الشاطئ يتآكل كل عام، الأمواج تبتلع الرمال، والمشاريع البيئية تراوح مكانها. الانجراف الساحلي لم يعد مسألة علمية بل قضية وطنية، لأن البحر حين يأخذ شبرا من الرمل يأخذ معه ذاكرة كاملة من السياحة والعمل والكرامة. الحلول موجودة في الأدراج: دراسات هندسية، تمويلات دولية، ووعود رسمية، لكنها تبقى معلقة لأن البيروقراطية التونسية لا تعرف معنى العجلة حتى لو كان البحر على بعد متر من الباب. من المؤلم أن ترى مدينة كانت ملهمة للعالم، تعجز اليوم عن حماية شاطئها من الزوال.
وزارة السياحة، تلك المؤسسة التي كان يفترض أن تكون عقل البلاد في التخطيط والرؤية، تحولت إلى مكتب للتصريحات والمهرجانات. تُتقن الخطابة أكثر من الفعل، وتوزع الشعارات أكثر مما ترسم السياسات. ما زالت تشتغل بعقلية السبعينات في زمن الثورة الرقمية. تروّج بصور وبروشورات في حين أن العالم يروّج بالسرد القصصي والتجارب التفاعلية. لم تفهم الوزارة بعد أن السائح الحديث لا يشتري الشمس بل يشتري التجربة، لا يطلب الفندق بل يطلب الحكاية. ومن لا يملك حكاية يخسر العالم كله.
الحمامات تحتاج إلى ثورة هادئة لا إلى ترميم شكلي. تحتاج إلى من يعيدها إلى جوهرها الأول: مدينة تحب الحياة وتعرف معنى الجمال. يجب أن تتحول إلى مختبر للمدن الذكية في تونس، تُدار بالنقل الكهربائي، وبكورنيش أخضر مفتوح للمشاة والدراجات، وبفنادق صديقة للبيئة، وبإدارة رقمية تُغني عن الرخص الورقية والانتظار العبثي. كما يجب إنقاذ شاطئها فورًا من الانجراف، فذلك ليس مشروعًا بيئيًا فقط بل مشروع بقاء. على الدولة أن تعتبره أولوية وطنية، لأن ضياع الحمامات هو ضياع رمزي واقتصادي لتونس كلها.
وفي الوقت نفسه، يجب أن نعيد الحياة إلى الشتاء في المدينة. الحمامات ليست صيفًا فقط، هي مسرح وثقافة وفن وتاريخ. يمكن أن تحتضن المهرجانات الفكرية، والملتقيات الدولية، وبرامج السياحة الثقافية والعلاجية، لتظل نابضة طوال السنة. كما يجب أن يُعاد الاعتبار للشباب، أن يُمنحوا الفرصة لبناء مشاريع سياحية صغيرة ومبدعة، نُزل بيئية، مطاعم تراثية، تطبيقات رقمية، لأنهم وحدهم قادرون على تجديد دم هذا القطاع المتعب.
أما وزارة السياحة، فعليها أن تتوقف عن لعب دور المتفرج وأن تتحول إلى وزارة فعل، تُحاسب على النتائج لا على المؤتمرات. عليها أن تُعيد التفكير في علاقتها بالمدن، وأن تعمل بالتنسيق مع البلديات والمجتمع المدني، لأن السياحة ليست قطاعًا اقتصاديًا فقط، بل مشروع وطني في الهوية والتنمية.
الحمامات اليوم تقف على حافة البحر والتاريخ، مدينة بين الحياة والموت. يمكنها أن تنهض من جديد إن امتلكت البلاد الشجاعة لتعيد ترتيب أولوياتها، وإن استعاد أبناؤها ثقتهم في مدينتهم. لا تحتاج الحمامات إلى ترويج جديد بل إلى ضمير جديد، لا إلى لافتات بل إلى إرادة. فالجمال لا يُحافَظ عليه بالإعلانات بل بالإيمان.
إنها مدينة تُشبه تونس في ملامحها: جميلة ومتعبة، متحضرة ومهملة، عميقة وسطحية في الوقت ذاته. ولكن المدن لا تموت، الناس هم الذين يتركونها تموت. والحمامات، رغم كل شيء، ما زالت تنادي من أعماق البحر: أعيدوا لي معنى أن أكون مدينة للحياة لا سوقًا للعابرين.
الحمامات....مدينة تموت واقفة على رمالها
2025-10-30
690 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال