هل توجد فعلاً وزارة للفلاحة في تونس؟ أم أن ما نراه هو مجرد جثة بيروقراطية تتحرك بعادات قديمة وتفكر بعقل ما قبل الدولة؟
وزارة بلا عقل علمي، بلا رؤية استراتيجية، بلا شجاعة سياسية، بلا ضمير وطني. وزارة تحولت إلى “ديوان للعطش” و“مصنع للفقر” بدل أن تكون مهندساً لنهضة الأرض والماء والغذاء.
في بلد يملك أكثر من 50 مليار متر مكعب من المياه الجوفية المتجددة وغير المستغلة، يخرج المسؤول ليبكي الجفاف!
في بلد يملك 125 سدّاً، يُترك أكثر من ثلثها مليئاً بالطين والردم منذ ثلاثين سنة، بلا صيانة ولا توسعة.
أهذه وزارة فلاحة أم وزارة استسلام؟
كل وزير يجيء يعلن عن “استراتيجية 2030”، “رؤية 2050”، ويدفن الملفات تحت عنوان “الاستشراف”، بينما الفلاح في باجة وسيدي بوزيد وسليانة يبيع أغنامه ليسدد فاتورة الماء.
ترشيد المياه لا يعني غلق الحنفيات، بل يعني هندسة الماء:
تخزينه، إعادة استعماله، تحليته، تحويل مساره بذكاء تكنولوجي.
المغرب فهمها منذ عقدين فبنى 139 سداً جديداً. تركيا فهمتها فحوّلت أنهارها إلى شرايين إنتاج.
أما نحن، فنبني لجنةً للمياه كلما عطشنا، ثم ننسى.
ديوان الزيت لم يُفكَّك صدفة. هناك قرار غير معلن بإضعافه حتى يُسَلَّم السوق لمحتكري الاستيراد ولشركات إيطالية وإسبانية تتحكم في الذهب الأخضر.
منذ عشر سنوات، بدأ مسلسل التجفيف المالي للديوان. تم حرمانه من التمويلات، تفريغ كفاءاته، تقليص صلاحياته. ثم حين أصبح عاجزاً عن التدخل في السوق، خرجت الوزارة لتقول: “الديوان لم يعد فعالاً”!
أي نفاق أكبر من أن تجوّع المؤسسة ثم تتهمها بالهزال؟
أوروبا، التي تشتري زيتنا خاماً لتبيعه باسمها، لا تريد ديواناً تونسياً قوياً.
تريد فلاحاً ضعيفاً يبيعها اللتر بـ6 دنانير لتبيعه هي بـ25 يورو.
وتونس الرسمية صامتة، لأن بعض من في الوزارة صاروا “وسطاء ناعمين” بين اللوبيات الأجنبية والمزارع الوطنية.
الفساد في وزارة الفلاحة ليس مجرد أخطاء إدارية، بل منظومة هندسية لتدمير الثقة في القطاع.
صفقات تجهيزات ريّ لا تعمل، مشاريع تحلية لا تُشغَّل، دراسات تُدفع بالدولار وتُنسى في الأدراج.
حتى ملف “المياه المعالجة للري” تحوّل إلى شعار دون تطبيق، رغم أنه الحل العلمي الأذكى لتخفيف الضغط على الموارد الطبيعية.
في كل مكان من العالم، الهندسة الفلاحية اليوم هي علم إدارة الموارد الذكية.
في تونس، ما زالت “هندسة التصاريح” أقوى من هندسة المياه.
كيف يُفكَّر في الفلاحة؟
وزارة الفلاحة في تونس تفكر كما تفكر إدارة البريد: ملفات، توقيعات، ودواليب مغبرة.
بينما في العالم المتقدم، الفلاحة تدار بالأقمار الصناعية، بالطائرات المسيّرة، بالذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالمحاصيل، وبالتقنيات الحيوية في تحسين التربة والمردودية.
نحن لم ندخل القرن الواحد والعشرين بعد. ما زلنا نعيش في فلاحة القرن التاسع عشر، وندّعي أننا نخطط للمستقبل.
أنا لا أكتب لأشتم، بل لأُصلح بعقل الباحث، لا بعاطفة السياسي.
الحلول ليست لغزاً:
1. الهندسة المائية الذكية
حفر آبار عميقة مجهزة بعدادات رقمية لقياس الاستهلاك بدقة.
تحويل المياه المعالجة إلى ريّ محاصيل صناعية غير غذائية (كما فعلت إسبانيا).
بناء سدود ترابية صغيرة في كل ولاية داخلية لتجميع مياه الأمطار بدل أن تضيع في البحر.
إنشاء “وكالة وطنية للهندسة المائية” مستقلة عن وزارة الفلاحة، تضع المخططات وتراقب التنفيذ.
2. إعادة بعث ديوان الزيت كذراع سيادي
تحويله من هيكل إداري إلى “مؤسسة وطنية للتسويق والتعبئة والتخزين”.
منحه احتكار تصدير الزيت الخام حتى تُجبر الشركات الأجنبية على شراء الزيت المعلب محلياً.
إطلاق علامة وطنية موحدة “زيت تونس الحر” بشهادة منشأ وقيمة مضافة عالية.
رقمنة منظومة الإنتاج من الشجرة إلى الزجاجة، لضمان الشفافية والجودة والتتبع.
3. ثورة في التعليم الفلاحي
إحداث معاهد “الهندسة الزراعية الذكية” تربط بين الفلاحة والذكاء الصناعي.
إرسال بعثات علمية إلى المغرب وتركيا والبرتغال واليونان لتعلّم نظم الري وإدارة الزيتون.
تكوين الفلاحين تقنياً في التقنيات الحديثة، بدل الاكتفاء بتوزيع المنح والمحراث.
4. تشريعات السيادة الغذائية
إعلان “الماء والزيت والقمح” مواداً سيادية لا يمكن خصخصتها أو تركها للسوق الحرة.
فرض ضريبة على تصدير الزيت الخام.
سنّ قانون يجبر الشركات الأوروبية على ذكر مصدر الزيت الحقيقي “منتوج تونسي 100%”.
تونس اليوم لا تعاني من الجفاف فقط، بل من جفاف في الفكر والإرادة.
وزارة الفلاحة كما هي اليوم ليست وزارة، بل ثقب أسود يبتلع مستقبل البلاد.
الفلاح التونسي يعيش على شرفه، لا على دعم دولته.
وكل لتر زيت يُسرق، وكل قطرة ماء تُهدر، هي جريمة سيادية لا تقلّ عن التفريط في الحدود.
إن الدولة التي لا تحكم ماءها وزيتها وترابها، لا تحكم شيئاً.
وإن الوزير الذي لا يعرف الفرق بين حوض تجميع وسدّ، لا يستحق إلا أن يُحال إلى التقاعد الفكري.
تونس تحتاج إلى وزارة جديدة…
وزارة السيادة الفلاحية والهندسة المائية،
يقودها علم لا ولاء، وكفاءة لا حزب، وضمير لا صفقة.
حينها فقط…
لن نخاف من الجفاف، لأن العقول التي تزرع الماء لا تعرف التصحر.
وزارة الفلاحة أم وزارة التصحر!!!!
2025-10-28
789 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال