بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

اغتيال العقل الجمعي

2025-10-27 759 قراءة مقالات رأي عماد عيساوي
في التاريخ لحظات لا تُقاس بالسنوات، بل بالهزّات التي تصيب روح الأمة. وتونس اليوم، كما أراها بعين الوعي لا بعين السياسة، ليست في أزمة حكم، بل في أزمة وعيٍ شامل. لقد سقطت العقول كما تسقط الدول، وتهاوت منظومة الفكر كما تهاوى العمران في قرطاج ذات يوم. وما نعيشه اليوم ليس مجرد فوضى إعلامية أو ثقافية، بل هو سقوط تاريخي للمعنى، سقوط الإنسان من مقام المواطن إلى مقام المستهلك، من حامل الفكرة إلى حامل الهاتف.
لقد قامت في تونس جمهورية جديدة، لا تحكمها النخبة ولا القوانين، بل تحكمها الخوارزميات والغرائز. جمهوريةٌ من الصمت والسطحية، من الشهرة السريعة والمحتوى الفارغ، من التفاهة التي صارت مقياس النجاح، ومن الغباء الذي صار يُعرض على الهواء مباشرة كعرضٍ للموضة. هذه الجمهورية لا تصنعها صناديق الاقتراع، بل تصنعها منصّات تُعيد تشكيل العقول، وتعيد برمجة الوعي الجمعي وفق ما تريده قوى المال والسوق والفراغ.
في هذه الجمهورية، صار المهرّب رمزًا لروح المبادرة، وصارت الراقصة خبيرًا اجتماعيًا، وصار الجاهل في علوم البرمجة العصبية يوزّع الشهادات على من لا يعرفون أنفسهم. بينما المثقف الحقيقي يعيش في الظل، والمفكر يُنفى من الشاشات كما يُنفى الفيلسوف من مدينة أفلاطون.
لقد فهمت القوى الكبرى منذ زمنٍ بعيد أن السيطرة على الإنسان لا تحتاج إلى دبابات، بل إلى محتوى. وأن احتلال العقول أسهل من احتلال الأرض. لذلك، تُدار اليوم في تونس أخطر حربٍ في تاريخها الحديث: حرب الوعي. حرب بلا رصاص، بلا دماء، لكن ضحاياها بالملايين: شبابٌ ضائع بين الصورة والوهم، بين “اللايف” والفراغ، بين الجسد والعقل الغائب.
التفاهة ليست ظاهرةً اجتماعية، بل نظام حكم جديد. نظام يقوم على مبدأ بسيط: كلّما زاد الجهل، زادت الطاعة. كلّما تراجع الفكر، تمددت السلطة غير المرئية التي تتحكم في السلوك والرغبات. هذا هو الوجه الجديد للاستعمار استعمار العقول الذي يُدار من الهواتف الذكية، ومن وراء شاشات لا نعرف من يصمّم خوارزمياتها.
ولذلك، لا يمكن فهم ما يجري في تونس اليوم دون أن ندرك أن الأمر يتجاوز الإعلام والتعليم، إلى هندسة الوعي القومي ذاته. هناك مشروع دولي لإنتاج إنسانٍ خفيف، بلا ذاكرة، بلا جذور، بلا مرجعية. إنسان لا ينتمي إلا لهاتفه، ولا يؤمن إلا بما يراه في الفيديوهات القصيرة. إنسانٌ بلا هوية، جاهزٌ لأن يُقاد من أي مكان، ولأي اتجاه.
هذا الانهيار لم يحدث فجأة. لقد بدأ حين فقدت الدولة عقلها الثقافي. حين سلّمت الإعلام إلى السوق، والتعليم إلى البيروقراطية، والمواطنة إلى التفاهة. حين غاب المفكرون عن المشهد، واعتزلت النخب أو بيعت، وتحوّل المثقف إلى موظفٍ صغير في وزارة الكلام.
الدولة التي تهمل مثقفيها، وتستبدل الفكر بالإعلانات، تُعلن دون أن تدري إفلاسها الروحي. فالدولة ليست مؤسسات فقط، بل فكرة. وإذا ماتت الفكرة، ماتت الدولة.
تونس اليوم تحتاج إلى ما هو أكثر من إصلاح اقتصادي أو تغيير سياسي، تحتاج إلى ثورة في المعنى، إلى عودة الوعي كسلطةٍ عليا، إلى دولةٍ تُبنى من جديد في العقول قبل أن تُبنى في القوانين.
لقد انتهى زمن الدولة الأمنية والدولة الحزبية، وجاء زمن الدولة الواعية. الدولة التي تحرس العقل كما تحرس الحدود، والتي تعتبر كل مواطن مشروع مفكر، لا مشروع تابع.
وهذا المشروع يبدأ من هنا:
أن يُعاد للإعلام ضميره، فلا يكون ملهى للتفاهة بل منبرًا للعقل.
أن يُعاد للتعليم روحه، فينتج الإنسان لا الورقة.
أن تُستعاد النخبة إلى مكانها الطبيعي في قيادة الرأي والفكر.
أن تُؤسس وزارة أو مجلس لـ"الوعي الوطني" كما نؤسس للدفاع والمالية، لأن معركة الوعي هي أمّ المعارك كلها.
تونس التي أنجبت ابن خلدون لا يمكن أن تُقاد من مؤثّرين يبيعون المساحيق المهرّبة. هذه أرضٌ كتبت تاريخها بالحبر والدم، لا بالابتسامات الرقمية. ولكن الخطر اليوم أن تتحوّل من وطنٍ للتاريخ إلى مسرحٍ للتفاهة.
ومع ذلك، أنا أؤمن أن الوعي لا يموت، بل يختبئ. ينتظر لحظته كما تنتظر البذرة المطر. وحين ينفجر، سيكنس كلّ هذا الغبار الذي غطّى العقول.
ستنهض تونس من رماد هذه التفاهة، كما نهضت من رماد الاستعمار. لأن الأمم الحقيقية لا تموت بالضحك، بل تعود بالوعي.
وفي تلك اللحظة، حين يعود الوعي إلى القيادة، وحين تعود الفكرة إلى الدولة، سنشهد ميلاد الجمهورية الجديدة دولة الوعي التي لن تحكمها الخوارزميات، بل العقول الحرة، ولن تُقاس فيها القيمة بعدد المتابعين، بل بعدد الأفكار التي تنقذ الإنسان من العبودية الجديدة.
حينها فقط، ستتحرر تونس حقًا.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال