تونس، هذا البلد الصغير الذي كان يومًا يُصدّر الفكر والخيال، صار اليوم يستورد التمويل والبرمجة الثقافية. في كل مهرجانٍ، في كل عرضٍ مسرحيّ، في كل قاعة عرضٍ أو ندوة، تجد لافتة صغيرة تُعلن: بدعمٍ من…، ويتبعها اسم مؤسسة أجنبية: المعهد الفرنسي، المجلس الثقافي البريطاني، مؤسسة روزا لوكسمبورغ، معهد غوته… كأنّ الثقافة التونسية لم تعد تُكتب بالحبر المحلي، بل بحبرٍ يأتي عبر السفارات والمكاتب الثقافية الأوروبية.
لكن، هل هذا دعم بريء للفن؟ أم هو الوجه الناعم لنفوذٍ جديد يُمارس بالرقص والألوان، بدل الجيوش والدبابات؟
منذ سقوط الأنظمة القديمة وفتح البلاد على مصراعيها أمام العالم، أصبحت تونس مختبرًا مفتوحًا للتجارب السياسية والثقافية. المال الأجنبي تدفّق كما يتدفّق النهر نحو أرض عطشى. ومن رحم الثورة، ولدت آلاف الجمعيات والمبادرات الثقافية التي تتغذّى من هذا المال القادم من وراء البحر.
لكن هذا المال، وإن كان بريقه جميلًا، فإنّ رائحته ليست دومًا بريئة. فهو لا يُوزَّع عشوائيًا، بل يتبع خرائط دقيقة تُرسم في العواصم الكبرى. فالمعهد الفرنسي لا يمول كل شيء، بل ما يعزّز “التبادل الثقافي” مع فرنسا. والمجلس الثقافي البريطاني لا يدعم الفلكلور المحلي، بل البرامج التي “تربط الفنانين التونسيين بنظرائهم في لندن”. وحتى مؤسسة روزا لوكسمبورغ لا تخفي أجندتها الفكرية اليسارية التي تريد أن تزرع أفكارها في أرض الجنوب.
هكذا، يتحول الدعم إلى أداة برمجة ثقافية ناعمة، تُعيد تشكيل الذائقة، وتوجّه الحوار العام نحو مواضيع محددة: “الحرية، الجندر، البيئة، الهجرة…”، وهي مواضيع نبيلة، لكنها ليست بريئة من خلفياتها السياسية.
من حقنا أن نسأل: أين الدولة في كل هذا؟
الجواب بسيط ومؤلم: الدولة تراقب من بعيد، بلا مال ولا مشروع. ميزانية وزارة الثقافة لا تكفي حتى لصيانة المسارح والمكتبات. الموظفون أكثر من المبدعين، والمكاتب أكثر من الأفكار.
حين تضعف الدولة، تتسلل القوى الناعمة. وحين تتخلى عن مسؤوليتها، يأتي غيرها ليملأ الفراغ. وهكذا صار الأجنبي هو من يحدد من يرقص، ومن يعرض، ومن يُنشر له، ومن يُكرَّم.
لقد تحولت الثقافة من فعلٍ وطنيٍّ إلى “منطقة حرة” يتصارع فيها المانحون والممولون والوسطاء. وصارت المهرجانات ساحاتٍ للدبلوماسية الرمزية، والندوات بواباتٍ للنفوذ الفكري، والتمويل أداةً للهيمنة الناعمة.
ليست الأجندات الأجنبية بالضرورة استعمارًا مباشرًا، لكنها إعادة هندسةٍ للعقول عبر الفنون.
حين تُمَوَّل المسرحية من الخارج، يُعاد توجيه النص ليُطابق “قيم الممول”. وحين تُمَوَّل مجلة ثقافية، تُحدَّد مواضيعها مسبقًا. وحين يُمنح دعمٌ لمهرجان، يصبح محتواه مرآةً لصورة الممول لا لوجدان البلد.
إنه شكلٌ جديد من “الوصاية الثقافية”، أخطر من أي استعمارٍ قديم. فالسلاح اليوم ليس البندقية، بل الصورة، والفكرة، والتمويل.
رغم هذا المشهد الرمادي، تملك تونس اليوم فرصة نادرة: أن تُخضع التمويل الثقافي لمنطق الشفافية والرقمنة.
الرقمنة ليست مجرد أجهزة حاسوب، بل فلسفة حكمٍ جديدة. من خلالها يمكن نشر كل عقود التمويل والمنح عبر منصات مفتوحة، يعرف فيها الشعب من يمول من، ولماذا، وبكم.
حين يصبح التمويل علنيًا، يسقط القناع عن كثير من المشاريع الرمادية. وحين تصبح الثقافة مؤرّخة رقمياً، لا يمكن لأحد أن يحتكر الحقيقة أو يستغل الغموض.
ليست الدعوة إلى الرقابة على التمويل الأجنبي دعوة إلى الانغلاق أو العزلة. الثقافة تحتاج إلى العالم، كما يحتاج العالم إلى تونس. لكنّ السيادة الثقافية لا تُشترى بالمنح، ولا تُحمى بالرقص على أنغام الغير.
إنّ المطلوب اليوم ليس محاربة الممولين، بل وضع قواعد شفافة لعلاقات متوازنة، تجعل من الدعم شراكة لا تبعية، ومن التبادل الثقافي طريقًا للتكامل لا للهيمنة.
في النهاية، ليست المشكلة في المال، بل في الوعي.
حين يمتلك المجتمع وعيه الثقافي، يصبح قادراً على تحويل التمويل الأجنبي إلى طاقةٍ مبدعة. أما حين يغيب الوعي، يتحوّل الدعم إلى قيدٍ ذهبي، يُجمّل التبعية ويغلفها بلغة الفن والحداثة.
الثقافة ليست حفلة ولا عرضًا فنيًا عابرًا، بل معركة رمزية على هوية الأمم. ومن لا يدافع عن ثقافته بماله وعقله، سيدافع عنها يومًا بذكرياته فقط.
تونس بين الفن والمال الأجنبي: عندما تتحول الثقافة إلى ساحة نفوذ
2025-10-26
658 قراءة
مقالات رأي
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال