لكنها لا تعرف بعد مع من تتفاوض، ولا على ماذا تتفاوض، ولا ما الذي ستخسره مقابل ما ستكسبه.
تفاوض الصين، تلك التي لا تعطي شيئاً بلا ثمن. الصين لا تدخل بلداً لتأخذ صورة تذكارية أو لزرع شجرة زيتون في الصحراء. تدخل لتبقى. تدخل لتغرس نفوذها في التراب، وفي البنية، وفي القرار.
الصين اليوم تعرض على تونس اتفاقاً للتبادل التجاري الحر. صفر أداءات ديوانية. صفر قيود. صفر حماية.
في الظاهر يبدو العرض مغرياً. سلع تونسية تدخل إلى أكبر سوق في العالم. زيت الزيتون، التمور، الفسفاط، والأسماك.
لكن في العمق، من الذي سيدخل أكثر؟ تونس إلى الصين، أم الصين إلى تونس؟
الميزان التجاري يجيب:
تونس تصدر بما لا يتجاوز 300 مليون دينار، وتستورد بما يفوق 8 مليارات.
ثمانية مليارات مقابل ثلاثمائة مليون.
فمن التاجر؟ ومن الزبون؟
هذه ليست شراكة.
إنها علاقة بين عملاق وسوق صغيرة تُفتح له طوعاً.
الصين لا تحتاج زيت الزيتون التونسي. لقد زرعت 60 مليون شجرة زيتون داخل حدودها.
ولا تحتاج الفسفاط، فهي تمتلك بدائل وصناعات كيميائية ضخمة.
هي تريد السوق. السوق التونسية. الصغيرة، لكنها مفتوحة على المتوسط، على أوروبا، على إفريقيا.
تونس بالنسبة للصين ليست هدفاً اقتصادياً بل معبر استراتيجي.
بوابة لإعادة التصدير.
منصة لتوسيع النفوذ الاقتصادي الناعم في شمال إفريقيا.
هي تريد أن تدخل ببضائعها من تونس إلى الجزائر وليبيا وأوروبا.
وهنا الخطر: حين تتحول البلاد إلى محطة ترانزيت في مشروع صيني ضخم لا نتحكم فيه ولا نربح منه سوى الفتات.
منذ سنوات، وقّعت تونس اتفاق تبادل حر مع تركيا.
النتيجة كانت كارثية:
السلع التركية أغرقت الأسواق.
المصانع التونسية أغلقت.
العجز التجاري تجاوز المليارات.
واليوم يتكرر المشهد، لكن مع الصين، وهي أقوى وأشرس.
الصين لا تفاوض بالعواطف، بل بالأرقام.
تدفع مليارات، تبني ميناء، تزرع مشروعاً، وتربطك به بقرض، ثم بشراكة، ثم بعقد طويل الأمد لا ينتهي.
هكذا فعلت في إفريقيا.
هكذا فعلت في سريلانكا.
وهكذا ستفعل في تونس إن لم تنتبه.
لكنّ الصورة ليست كلها سوداء.
في الاتفاق فرص إن أُحسن استغلالها.
الصين تفتح فعلاً أكبر سوق استهلاكية في العالم.
وهي تستورد سنوياً بما يفوق تريليوني دولار.
لو فازت تونس بنسبة ضئيلة فقط من تلك السوق، ستضاعف صادراتها.
لكنّ الأمر يتطلب معايير صارمة، جودة عالية، ولوجستية محترفة.
وهذا ما لا تملكه تونس حالياً.
الخبير الاقتصادي العاقل لا يرفض الشراكة، لكنه لا يفتح الأبواب دون حراسة.
الاتفاقيات تُبنى على المعادلة لا المجاملة.
وعلى الربح المشترك لا الاندماج الأعمى.
تونس يجب أن تفاوض بنداً بنداً، قطاعاً قطاعاً، لا توقّع اتفاقاً شاملاً يمحو خطوطها الحمراء.
يجب أن تحمي الصناعات الحساسة:
النسيج، البلاستيك، المعادن، المواد الكهربائية.
ويجب أن تفرض نسب تشغيل محلية على كل استثمار صيني.
ويجب أن تراقب الميزان التجاري شهرياً.
وأن توقف الاتفاق مؤقتاً إن تجاوز العجز نسبة معينة.
الاتفاق مع الصين يمكن أن يكون بداية نهضة اقتصادية، أو بداية احتلال اقتصادي ناعم.
الفرق يصنعه الوعي.
الصين تحترم من يفاوض بقوة، وتحتقر من يبتسم بلا شروط.
من يدخل معها ضعيفاً، يخرج منها مديوناً.
ومن يدخلها بعقلٍ حادٍ، يخرج منها رابحاً.
تونس اليوم أمام لحظة مفصلية.
إما أن تصنع شراكة ذكية مع التنين، أو أن تتركه يبتلعها بهدوء.
فالاتفاقيات ليست أوراقاً تُوقّع، بل مصائر تُرسم.
والأوطان التي لا تفاوض على مصالحها، ينتهي بها الأمر سلعة في سوق الآخرين.
تونس والصين... حين يدخل التنين إلى السوق الصغيرة
2025-10-26
841 قراءة
مقالات رأي
عماد عيساوي
التعليقات والردود
2
هو سيف ذو حدين من جهة الاسعار باش تنقص شوي والمواطن يلقى حاجته ارخص خاصة في الالكترونيات والملابس الجاهزة والمواد الاستهلاكية
اما من جهة اخرى المنتوج التونسي باش يتضرر برشة ،خاطر ماينجمش ينافس السلع الصينية لا في الكمية ولا في السعر
النتيجة ممكن تكون ايجابية على المدى القصير ،لكنها باش تكون سلبية على المستوى المتوسط والطويل خاصة على المصانع الصغيرة والمحلية
يعني تنجم تربح في السعر لكن باش تضر الاقتصاد و تضر اليد العاملة التونسية وباش تضر المنتوج التونسي على المستوى الطويل.
اما من جهة اخرى المنتوج التونسي باش يتضرر برشة ،خاطر ماينجمش ينافس السلع الصينية لا في الكمية ولا في السعر
النتيجة ممكن تكون ايجابية على المدى القصير ،لكنها باش تكون سلبية على المستوى المتوسط والطويل خاصة على المصانع الصغيرة والمحلية
يعني تنجم تربح في السعر لكن باش تضر الاقتصاد و تضر اليد العاملة التونسية وباش تضر المنتوج التونسي على المستوى الطويل.
هذا سوف ذو حدين من شيرة باش تنقص بعض الاسعار ومن شيرة باش تزيد تتضرر الشركات التونسية الصغيرة والمتوسطة على المدى المتوسط والبعيد .
تعليق على مقال