تونس لم تعد تُدار من القصبة ولا من قرطاج وحدهما.
تُدار من عواصم كثيرة.
من الدوحة، من أنقرة، من باريس، من روما، ومن واشنطن التي لا تغيب عن أي مشهد تتنفس فيه السياسة رائحة المتوسط.
البلد الصغير صار مسرحاً كبيراً لتصفية الحسابات.
كل عاصمة تريد قطعة من القرار التونسي.
كل جهاز مخابرات يبحث عن منفذ داخل الإدارة أو الإعلام أو الجمعيات.
المعارك لم تعد تُخاض بالسلاح، بل بالتصريحات والتمويل والصفقات والضغط الدبلوماسي.
قطر ما زالت تراهن على عودة الإسلام السياسي، ولو من الباب الخلفي.
تموّل جمعيات “الحرية والكرامة” وتدعم إعلاميين وناشطين، لأنّ سقوط الإسلاميين في تونس يعني انهيار آخر قواعد نفوذها في شمال إفريقيا.
أموالها تتسلل في شكل مشاريع صغيرة، تمويلات ثقافية، أو منح تعليمية، لكنها تصبّ في النهاية في ماكينة النفوذ السياسي.
تركيا تراقب بصمت.
خسرت جزءًا من نفوذها منذ 25 جويلية، لكنها لم تخرج من اللعبة.
تتحرك عبر رجال أعمال وجمعيات ذات طابع “ثقافي”، تُعيد تلميع خطاب “النهضة الجديدة”.
أنقرة تعرف أنّ تونس هي المفتاح الغربي لمشروعها في شمال إفريقيا، ولن تتركه يسقط بسهولة.
فرنسا غاضبة لكنها حذرة.
كانت تعتبر تونس منطقة نفوذ طبيعي، فإذا بها تُقصى من القرارات الكبرى وتُتهم بأنها “قوة استعمارية جديدة”.
الرد الفرنسي جاء ناعماً: تضييق في القروض، ضبابية في المواقف، ودعم خفي لبعض مراكز النفوذ القديمة داخل الإدارة والاقتصاد.
باريس لا تريد إسقاط الدولة، بل تريد إضعافها لتبقى محتاجة إليها.
إيطاليا تنظر من زاوية أخرى: الهجرة.
كل ما يهمها أن تظل تونس حارساً للحدود الجنوبية لأوروبا.
تغضّ الطرف عن الفساد إن كان يحمي سواحلها، وتدفع الأموال متى خافت من تدفق جديد نحو لامبيدوزا.
بالنسبة لروما، تونس ليست شريكاً سياسياً بل منطقة عازلة.
الولايات المتحدة تراقب كل هذا وتبتسم.
تركت الأوروبيين يتشاجرون، واحتفظت بعلاقات مع الجميع.
تتحدث عن الديمقراطية، لكنها لا تتدخل إلا عندما تتهدد مصالحها في البحر المتوسط أو في التنسيق الأمني.
واشنطن لا تريد تونس قوية ولا منهارة، بل دولة في حالة “توازن هش”، يسهل ضبطها عند الحاجة.
هذه القوى لا تتحرك منفردة.
كل واحدة لها وكلاء محليون.
سياسيون، إعلاميون، رجال أعمال، وجمعيات تحمل شعارات جميلة وتخدم مشاريع قذرة.
التمويل الأجنبي صار بوابة النفوذ الجديدة.
صفحات تُدار من الخارج، حملات تُطلق بتوقيت موحّد، وحراك ميداني يتم تغذيته بخطاب واحد: “الشعب يريد إسقاط النظام”.
لكنّ السؤال: أي نظام؟
نظام قيس سعيد أم نظام الدولة الوطنية؟
من يقرأ الخريطة يدرك أن الهدف أعمق من الرئيس.
إنهم يريدون تفكيك فكرة الدولة ذات السيادة، وإعادة تونس إلى “الحالة الوظيفية” التي كانت عليها قبل 2011، دولة بلا قرار، بلا هيبة، بلا استقلال حقيقي.
التحليل البارد يقول: تونس أمام ثلاثة مسارات.
الاستمرار في الصمود الوطني: وهو مسار شاق، يتطلب حسمًا اقتصاديًا وأمنيًا، وإغلاق منافذ التمويل المشبوه.
الانزلاق إلى الفوضى المُدارة: حراك متقطع يُضعف الدولة ويُعيد الأطراف القديمة تحت شعار “الإنقاذ”.
العودة إلى التبعية المقنّعة: حكومة شكلية، انتخابات شكلية، سيادة شكلية.
قيس سعيد يقاتل على جبهة مفتوحة بلا حلفاء كبار.
خصومه متعددو الوجوه، متفرقون في العلن، متحدون في الهدف: إجهاض أي مشروع لاستقلال القرار الوطني.
هذه ليست مؤامرة صغيرة، بل إعادة رسم لخريطة النفوذ في شمال إفريقيا.
وتونس هي الحلقة الأضعف والأكثر أهمية في آن واحد.
إن لم تنتبه، ستُدار قريباً من الخارج باسم “الديمقراطية”، وستُقسم مؤسساتها باسم “الإصلاح”.
وستُقال الجملة الخطيرة التي تُقال دوماً قبل سقوط الدول:
"لقد فشل التونسيون في حكم أنفسهم، فليُساعدهم الآخرون".
التحليل الواقعي يقود إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية، تتقاطع فيها السياسة بالأمن، والاقتصاد بالشارع، والمصالح الخارجية بالمشهد الداخلي.
السيناريو الأول: تصعيد الشارع وتفجير الغضب الموجّه
هذا السيناريو هو المفضل لدى خصوم السلطة.
التحركات الاجتماعية تتكاثر في الجهات، تغذيها الأزمة الاقتصادية والغلاء.
لكن ما يبدو عفوياً، سرعان ما يتحول إلى احتجاج منسق، بتمويل دقيق وتحريك رقمي من صفحات مجهولة المصدر.
يبدأ الأمر بإضرابات محدودة.
ثم يتحول إلى تحركات قطاعية، ثم إلى مسيرات ذات طابع سياسي، ترفع شعارات “العودة إلى الديمقراطية” و“رحيل السلطة الفردية”.
الخطة واضحة:
دفع المؤسسة الأمنية إلى التصادم مع المحتجين، لتُستغل الصور والفيديوهات في حملة دولية جديدة ضد الدولة التونسية.
في هذا السيناريو، الهدف ليس إسقاط النظام فوراً، بل إضعافه تدريجياً حتى يفقد قدرته على إدارة البلاد، ليظهر “المنقذ” القديم في صورة البطل الديمقراطي المنفي.
السيناريو الثاني: الضغط الدولي الناعم
في هذا المسار، تتحرك العواصم الكبرى تحت شعار “القلق على الوضع في تونس”.
تُرسل وفودًا، وتصدر بيانات، وتمنح قروضًا مشروطة، وتستعمل منظمات دولية كأدوات ضغط ناعمة.
الغاية ليست مساعدة تونس، بل دفعها إلى القبول بشروط سياسية واقتصادية محددة، أهمها فتح المجال مجددًا أمام القوى القديمة في الحكم، وعودة منظومة ما قبل 25 جويلية بغطاء جديد.
سيُقال إنّ المطلوب “حوار وطني شامل”.
لكنّ جوهره سيكون إعادة توزيع النفوذ الداخلي تحت إشراف الخارج.
بهذا الشكل، تُدار الدولة دون أن تُحتل، وتُخترق السيادة دون أن يُطلق رصاص واحد.
السيناريو الثالث: صمود الدولة وإعادة التوازن
وهو الأصعب والأطول، لكنه الوحيد الذي يضمن بقاء الدولة الوطنية.
يقوم على تحالف وطني عقلاني بين مؤسسات الدولة الصلبة: الجيش، الأمن، القضاء، والمجتمع المدني غير المموّل خارجياً.
هذا التحالف يعمل على تثبيت الاستقرار، وفتح إصلاحات اقتصادية حقيقية لا خطابية، وإغلاق منافذ الاختراق الإعلامي والمالي.
في هذا المسار، على الدولة أن تسبق الأحداث لا أن تلاحقها.
أن تضع خطة استباقية لإدارة الشارع، لا لقمعه.
أن تكشف بالوثائق مصادر التمويل المشبوه لا بالشعارات.
وأن تُعيد الثقة إلى التونسيين بأن الدولة مازالت لهم لا عليهم.
الجيش التونسي هو أكثر مؤسسات الدولة اتزاناً ووعياً.
يدرك أن انزلاق البلاد إلى الفوضى يعني نهاية الدولة لا النظام فقط.
لن يتدخل إلا في حالة واحدة: حين تُصبح وحدة التراب الوطني مهددة.
أما المؤسسة الأمنية، فهي في الخط الأمامي.
تواجه ضغط الشارع، وضغط السياسة، وضغط الإعلام.
أي خطأ منها سيُستغل دولياً، وأي ضعف منها سيُغري الفوضى.
ولذلك، المعركة اليوم بالنسبة للأمن ليست في الشارع بل في إدارة الوعي الجماعي.
تونس أمام أشهر حاسمة.
الشارع سيُستخدم كسلاح سياسي.
الإعلام سيُحوّل كل أزمة صغيرة إلى قضية وطنية.
والتمويل الخارجي سيواصل تغذية شبكات التأثير.
لكن النتيجة لن تُحسم بالضجيج، بل بالعقل.
فمن يملك الرؤية يملك المستقبل.
ومن يفهم قواعد اللعبة الجديدة سيبقى في الحكم، حتى إن فقد الشعبية.
المرحلة القادمة ليست حربًا على قيس سعيد كشخص، بل على فكرة السيادة نفسها.
والسؤال الذي سيحسم المعركة:
هل يريد التونسيون دولة قوية تُخطئ وتُصحّح، أم دولة ضعيفة تُدار من الخارج وتُصفّق لنفسها؟
هل يريد التونسيون دولة قوية تُخطئ وتُصحّح، أم دولة ضعيفة تُدار من الخارج وتُصفّق لنفسها؟
2025-10-26
671 قراءة
مقالات رأي
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال