في قابس، لا تكمن المأساة في البحر الملوّث ولا في الهواء الذي أصبح ثقيلًا كالرصاص، بل في الفراغ التشريعي الذي يسمح لكلّ شيء أن يحدث دون أن يُحاسَب أحد.
البلاد التي لا تملك كراس شروط بيئي، تشبه الجسد الذي يعيش بلا نظام مناعة.
كلّ مادةٍ سامةٍ تصبح عادية، وكلّ انبعاثٍ مميتٍ يُعتبر “تفصيلًا تقنيًا”.
كراس الشروط البيئي ليس ملفًا إداريًا، بل خارطة النجاة العلمية.
هو الذي يحدّد المسموح والممنوع بدقّة المليمتر والميليغرام.
في الدول المتقدمة، يُكتب هذا الكراس على أساس دراساتٍ مخبرية دقيقة، تُقاس فيها نسب العناصر الكيميائية في الهواء والماء والتربة، وتُترجم إلى قوانين إلزامية.
أما في تونس، فما زلنا نعيش في مرحلة “التقدير العام”، حيث تُقاس الكارثة بالعين لا بالمجهر.
الأمثلة التي تفضح العجز
في قابس، تشير دراسات جامعية إلى أن تركيز الفوسفوجيبس المترسّب قرب الشريط الساحلي يحتوي على نسبة إشعاع طبيعية تتجاوز 10 أضعاف المعدل المسموح به دوليًا (حسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية).
ومع ذلك، لا يوجد في تونس إلى اليوم نظام وطني لقياس الإشعاع الصناعي في المناطق السكنية.
في المقابل، المغرب، منذ 2016، أقرّ معايير دقيقة تُلزم مصانع الفسفاط بعدم تجاوز 50 ميكروسيفرت سنويًا في محيط العمل.
في قابس أيضًا، تتجاوز نسب ثاني أكسيد الكبريت SO في الجو خلال أشهر الصيف ثلاثة أضعاف الحدّ الذي توصي به منظمة الصحة العالمية (20 ميكروغرام/م³).
ومع ذلك، لا توجد محطة قياس مستمرة في المدينة، بل فقط حملات ظرفية.
في فرنسا مثلًا، تُحدّد كراسات الشروط أن على كل مصنع أن يربط أجهزة القياس بخوادم الوزارة على مدار الساعة، وتُفرض غرامات تُحسب بالدقيقة على كل تجاوز.
أما المياه الجوفية في منطقة شط السلام، فقد أظهرت تحاليل مخبرية (نُشرت في جامعة صفاقس سنة 2022) تركيزات من الفلور تتجاوز 2.5 ملغ/لتر، في حين لا يجب أن تتجاوز 1.5 ملغ/لتر وفق المعيار العالمي.
ومع ذلك، لا توجد في كراس الشروط التونسية (إن وُجدت) أي مادة تحدّد هذا الحدّ الأقصى بشكل واضح.
حين يأتي الوفد الصيني، سيُدهشه التلوث، لكن سيصدمه أكثر غياب المعلومة الدقيقة.
الصين تبني مصانع تُراقب نفسها آليًا كل عشر دقائق.
في بكين وحدها، يوجد أكثر من 1500 محطة استشعار بيئي متصلة بمنصة وطنية.
أما في قابس، فلا توجد حتى قاعدة بيانات موحّدة لتجميع النتائج البيئية من المؤسسات الجامعية والمخبرية.
كيف إذن يمكن أن يضعوا خطة علاج؟ وعلى أي أساس علمي؟
كراس الشروط ليس ترفًا، بل أداة سيادة علمية.
يجب أن يُكتب بمشاركة الجامعيين والمهندسين ومراكز البحث، ويشمل:
تحديد الحدود القصوى لكل ملوث (في الغازات والمياه والتربة).
فرض القياس الرقمي المستمر لكل مصنع.
تحديد نظام الغرامات أو الإغلاق عند كل تجاوز.
ربط الصناعة بالبحث العلمي المحلي.
حين تضع تونس هذا الكراس، لن تحتاج إلى “حلول أجنبية”، لأنّ المعالجة ستبدأ من الداخل، من القانون، من الرقم، من المختبر.
قابس ليست ضحية التلوث فقط، بل ضحية الصمت العلمي.
كراس الشروط هو السلاح الذي يجعل الدولة تسيطر على بيئتها كما تسيطر على حدودها.
إنه إعلان استقلال بيئي، يُكتب بالأرقام لا بالخطب.
وحين نكتب نحن أرقامنا، سيعرف العالم أنّ تونس بدأت أخيرًا تفكر علميًا... وتتنفس بكرامة.
حين نكتب نحن أرقامنا
2025-10-26
655 قراءة
مختلفات
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال