بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

جدليّـــــة السيطـــــــــرة .. ”العسكري” و”المدنـي” في بنيـة الدولة العربيّـة ”الحديثـة”

2025-10-26 651 قراءة مقالات فكر صابر النفزاوي
إنّ العقيدة العسكريّـة عربيًّـا قائمة على حمـاية كيـانيّـة الدولة ومؤسَّسيّـة النّظام (العميـق) فلا يَهمّ ما يحدث في الدّاخل إلّا بالقدر الّذي يؤثِّـر به هذا ”الدّاخل” في قشرة الدّولة وجوهـر النّظام،، وهو ما يندرج ضمن مقولة مركزيّـة قوامهـا تعزيز سيطرة ”المدنـي” على ”العسكري” نظريّـة ”هـانتنغتون” الّتي تشكّل رغم وجـاهتهـا الظاهرة واتّسـاقهـا مع مقوّمـات ”الدولة الحديثـة” حليفًـا موضوعيًّـا وظهيـرًا عمليًّـا للاستبداد والعلمنـة والتّغريـب في المنطقة العربيّـة !

بطبيعـة الحـال لا يمكن فصل النموذج العربـي عن الإرث الاستعمـاري الذي شكّـل دول المنطقـة ككيانـات هشّـة تمركـز فيهـا الجيشُ كأداة مركزيّـة لـصنـاعة الدولة الحديثـة تحت شعـارات الوحدة والاستقلال،، لكنّ هذه الأدوار تطوّرت لتصبح الجيوش جزءًا من ”نُخب الحكم” لا أداة خاضعة لسيطرة مؤسساتٍ مدنيّـة فعليّـة،، وهنا يـبرز التنـاقض؛ فبينمـا تحـاول النظريّـة الليبراليّـة كالهانتنغتونيّـة عزل ”العسكري” عن ”السيـاسي” تحوّل الجيش في التجربـةِ العربيّـة إلى منتِـج للسياسـة وحامٍ لشرعيّـة الدوائـر الحـاكمـة حتى لو تطلّب الأمـر صمتًـا متواطئًـا أو انقلابـات ”تصحيحيّـة” أو إعـادة إنتـاج الهيمنـة عبـر خطاب أمنـي ..

ولعلّه من المهمّ الإشـارة هنـا إلى أنّ نظريّـة هانتنغتون تنطلـق من فرضيّـة رئيسة مفادهـا أنَّ ”المدنـي” هو تعبيـر عن إرادة الشعب ووجدانه عبـر مؤسسـات تمثيليّـة، بَـيد أنّ ”المدني” في الواقع العربـي هو وجـه آخـر لـلأوتوقراطيّـة حيث تستمـدّ الطُّغَـم الحاكمـة شرعيّتهـا من الجيش، بينما تُقدّم نفسهـا كـمدنيّـة لتلبيـة شروط الدعم الغربـي المتمـاهي مع نظريّـة الهيمنـة المدنيّـة،، وهكذا يصبح الجيش حارسًـا للعلمنةِ الانتقائيّـة ضدّ ”الإسلام السياسي” مثلًا، وشريكًـا في التغريب الاقتصادي عبر خوصصـة لصالح تحالفاتِ الأعمالِ العسكريّـة دون أن يعني ذلك تبنيًا حقيقيًّـا للديمقراطيّة أو ”الانفتـاح السياسي” ..

في الحقيقـة لا يقتصـر دور الجيوش العربيّـة على الحمايـة الخارجيّـة بل كثيـرًا مـا يتحـوّل إلى شبكة مصالح اقتصاديّـة وبيروقراطيّـة تندمـج مع مؤسّسـات الدولة العميقـة حيث القضاء والإعلام والأجهزة الأمنيّـة،، هذا الاندماج أو ”التمَفصُـل” يعقِّـد فكرة ”السيطرة المدنيّـة” لأنّ المُؤسّسـة العسكريّـة ليست كيانًـا منفصلا يمكن احـتواؤهُ، إنّمـا هي ”عصب النظام السيـاسي” نفسـه،، ففي مصر مثلًا؛ يشرف العسكر على نحو 60 بالمئة من الاقتصـاد وفي الجزائـر يسيطروز على قطاع المحروقـات ما يجعل ”المدنييـن” مجرّد واجهة/يترينا لإدارة هذه المصـالح ..

قدْ تكون مقـاربـة ”هانتنغتـون” صالحـة لتحليل دول ذات سيـاقات ديمقراطيّـة عريقـة لكنّ تطبيقـهـا في المنطقة العربيّـة من شأنه إنتـاج ”دول هجينـة” تُطبّـق شكليًّـا ”سيطرة مدنيّـة” من خلال قوالب كوزارات الدفـاع والانتخابات لكنْ بجوهرٍ أمنوقراطـي،، هذا التنـاقض ليس بريئًا في ما نزعم؛ فالدول الغربيّـة نفسهـا تتعـامل مع الأنظمـة العربيّـة كحلفـاء استراتيجييـن بغضّ النظـر عن ديمقراطيّتـهم شرطَ ضمـان أمن الكيان الصهيونـي وتمريـر التطبيـع وضبط ما يسمّونه ”الإسلام السيـاسي” والارتهان لرأس المال الأطلسي،، أي إنّ ”السيطـرة المدنيّـة” في الخطـاب الغربـي هي أداة لـترسيـخِ التبعيّـة لا لتحقيـق ديمقراطيّـة حقيقيّـة !..

وقد تجلّـى بعد الربيـع العربـي دور الجيـوش كـفواعل مركزيـة في ”الثورات المضـادّة” المموَّلة إقليميًّـا، سواء أكان ذلك بشكل صاخب كما كانت الحال في مصر والسودان، أو بشكل مخـاتل مثلمـا حصل في تونس ذات خامس وعشريـن من جويلية،، وهو مـا يُظهـر أنّ ”المدنيّـة” المزعومـة ماهي إلّا غطـاء لاستمراريّـة ”الهيمنـة العسكريّـة” بأدوات جديـدة،، وهكذا تُعيد العقيدة العسكريّة العربيّـة إنتـاج نفسهـا عبـر خطاب يدمج بين ”الحداثـة الزائفـة” المتذرِّعـة بالتكنوقراط وشعـارات التنميـة و”الثقـافـة المحـافِظـة” المتلبّسة بلبوس الدين أو حتى القبيلة أو الطائفـة لو تطلّب الأمـر ذلك !..

دعونـا نتّفق إذن أنّـه لا وجـود لجيش ”غير مُسيَّس” وإن كان هنـاك تفـاوت في درجة ”التسيُّس”،، كما أنّـه لا وجود لجيش محـايد إزاء ”الانقلابـات البيضاء”، إذ لابُدّ أن ينحاز ”العسكريّ” عمليًّـا للانقلابيين أو لأعداء الانقلاب، باعتبـار أنّ نجاح الفعل الانقلابـي أو فشله يحتـاج بالضّرورة إلى عدد من جنود السمع والطاعة وبعض المُدَرَّعـات هنا وهنـاك !..

أمّـا ”الوطـــن” الّذي تدّعـي الجيوش العربيّـة حمايتَـه فهو في حقيقتـه ليس سوى تلك ”الإيديولوجيـا القُطريّـة المهيمنـة” الّتي سـاهمت في ترسيـخهـا ”الكـولونياليّـة الغربيّـة” دون أدنى اعتبـار للهُويّـات المحليّـة ومصـالح الشّعوب العليــا !..

إنّ الجيـوش العربيّـة تقوم على عقيدة عسكريّـة مُغرِضَـة وغبيّـــة، إنّهـا تَحمـي الشعـوب من الاجتيـاح الخـارجـي المسلَّح وتعتبـر الاستنزاف الداخلي والغزو الناعم أو التّفجيـر الثقـافـي من الداخل شأنًـا مدنيًّـا لا علاقـة لهـا به ..

إنّهـا قوى صُلبـة بلهـاء تَحرُس بيتًـا خرِبًـا متداعيًـا للسقـوط يستحقّ قرار إزالـة وإعـادة بنـاء لا أقفـالاً ومفاتيـح ومتـاريس وكلاب حراسـة !..

ولمّـا كان ذلك كذلك ..

ليست العلاقـة بينَ ”العسكري” و”المدنـي” في العالم العربـي إشكـاليّـة ”سيطرة” بقدر ماهي تعبيـر عن أزمـة ”الحداثـة المنقوصـة” حيث تحـاك نظريّـات الغرب على أجسـاد مجتمعـات لم تعش تحوّلهـا ”الديمقراطـي” وهي على كل حال غير مطالبـة بأن تعيشـه، وعليه فإنّ أيّ إصـلاح جوهري لابُدّ أن يبدأ بـفكّ الاشتبـاك بين الأمن والحرّيّـة وبين الهويّـة والانفتـاح دون وصـاية ”نخب كمبرادوريّـة عميقــة” ترفض التنـازل عن امتيـازاتـهـا !!!..

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال