زوج من الأرقام أو بالأحرى من النسب المئوية بعثا فيّ الرغبة في كتابة هذه الأسطر وفي ترجمة بعض الخواطر إلى شيء يقرأ ويناقش ويوحي بردود مختلفة. فقد اطلعت مؤخرا على مقالة صحفية ذكرت أن أكثر من 60 بالمائة من التونسيين يعيشون على أقل من 15 بالمائة من مساحة البلاد. كما قرأت في تقرير مهني يخص قطاع البعث العقاري والبناء والإسكان أن 62 بالمائة من مشاريع تشييد المساكن سنة 2010 أقيمت في منطقة تونس الكبرى بولاياتها الأربع. نسبتان محيرتان إذ أن الوزن الذي يمثله الشريط الساحلي وبخاصة تونس العاصمة ما انفك يكبر و يزداد بينما يتقلص وزن الجهات القارية وهذا خلل بدون شك, بل هو عجز يجب الإسراع بمداواته.
كثيرون هم الذين أثاروا هذه المسألة وبحثوا عن مدافن أسبابها وأقوم مسالك علاجها لكني أطمح في تناول مغاير قد يسهم في إفراز أفكار جديدة ومجدية. الإشكالية مستديمة بلا ريب وهي قائمة لعشرية أو لعشريتين قادمتين. الإشكالية واضحة كذلك وتتلخص في سؤال جوهري ذي شقين : كيف السبيل إلى تجاوز المركزية المفرطة والوزن البالغ للعاصمة وما الطريق الموصلة إلى إنماء المناطق التي أصبحت تعرف بالمهمّشة أو المعطّلة أو المنسية ؟ الإجابات المقترحة هنا تتمحور حول ثلاث نقاط :الأطر المبدئية, الأهداف المنشودة والمشاريع الممكنة.
1. الأطر المبدئية
في الواقع, ليست ظاهرة التفاوت في التمدن والتحضر والغنى بين الجهات مقتصرة على تونس أو على البلدان القريبة و الشبيهة. الظاهرة عامة ويتسنى للجميع معاينتها في أكثر بلاد العالم نموا وثراء. فالمتجول في أنحاء الولايات المتحدة يلاحظ بلا عناء التفاوت الاقتصادي والاجتماعي الكبير بين السواحل والدواخل. كما أن السائح الذي يزور فرنسا قد يعتريه شك بأن مدينة نيس الساحلية ومدينة سانت ايتيان القارية تنتميان لنفس البلد. هذا طبعا لا يعني وأن التفاوت الاقتصادي والاجتماعي بين الجهات وخاصة الساحلية منها و القارية شيء حتمي أو قضاء مبرم أو أمر لا يستحق الإصلاح والتعديل لكني أعتقد أن الخوض في هذا الأمر الهام والمحتقن بسبب خلفيات قبلية وعشائرية لن يكون مجديا قبل أن يتفق الجميع على أمور مبدئية وأطر عامة تغني عن الخوض في ما لا طائل منه ولا نفع سوى إثارة أصحاب العقول الجامدة ومخالجة الآمال الشاردة :
أولا, لابد من تثبيت أهداف معقولة ترمي أساسا إلى تقليص الفوارق لا إلى التسويق لأحلام ولوعود كاذبة كأن تصبح مدينة مكثر في حجم مدينة قصر هلال مثلا أو أن تفوق الصناعات المعملية بولاية جندوبة مثيلاتها بولاية صفاقس. هذا طبعا لو يحدث شيء يسعد كل التونسيين ولكنه يبقى حلما أو لنقل هدفا مؤجلا قد تضطلع به الأجيال القادمة.
ثانيا, يجب القطع مع الطرح الفئوي الذي يجعل من التنمية الجهوية مجالا لمقارنة المنافع التي تجنيها كل فئة أو كل عشيرة من العشائر المكونة للنسيج الاجتماعي. إن هذا المنطق الفئوي الذي يكاد أن ينزلق إلى متاهات الطرح الطائفي يذكي الفرقة ولا يرجى منه سوى الفتن. وقد لمسنا بوادر هذا الطرح منذ هروب الرئيس بن علي فأصبح بعض أهالي قفصة يطالبون بأن تكون جهتهم أول المنتفعين بعائدات الفسفاط وأضحى بعض أهالي نقطة من ولاية صفاقس يصرون على أن تكون لهم أولية و أولوية الانتدابات في الشركات البترولية المنتصبة هناك وصار متساكنو عين مذاكر من ولاية سوسة يهددون بإتلاف معدات معمل اسمنت النفيضة إذا لم تمكنهم إدارته من إتاوات جبرا لضرر التلوث.
ثالثا, من الضروري أن نفكر في نمط مغاير وفي أنموذج جديد للإنماء الجهوي والمحلي, أنموذج ينئ بنا عما ألفناه من ميكانزمات الإنماء والتشغيل التي يطغى عليها جانب الدعم الاجتماعي. إنّ الآليات الاجتماعية المعروفة للإنماء و التشغيل والحد من الفقر والبطالة لا تخلو من تأثير ولكن ذلك يبقى محدودا في الزمان وفي المكان. التّمشي الأنجع لا يقتصر على الجانب الاجتماعي بل يرمي لإرساء آليات اقتصادية و تكنولوجية تجعل من الجهة المعنية فضاء يكتسب عناصر دفع ذاتي و حركيّة إنتاجية قائمة بذاتها.
هذا من وجهة نظري ما يجب التوافق حوله حتّى تكون مسألة التنمية الجهوية مشروعا لا أحلام يقظة وقضية وطنية لا فئوية وإنماء لا استجداء.
2. المأمول و المقبول
استنادا لما بينته أعلاه, لا بد من إرساء أهداف تلتقي فيها الواقعية والتأثير, أهداف تأسس للمستقبل, وللصورة التي يجب أن تكون عليها الجغرافيا الاقتصادية للبلاد في الثلاثينات والأربعينيات من هذا القرن أي عندما يكون الشباب المتخرج الآن من الجامعات في أوج العطاء. ولعلّ ما أشرت إليه في المقدمة من أن أكثر من نصف السكان يتكدسون على نسبة ضئيلة من مساحة البلاد يوحي بالحل أو بجزء منه وهو تكثيف العمران واستعمار البلاد, كل أجزاء البلاد. فليس من المعقول أن يكون عدد سكان ولاية تطاوين مثلا, وهي تمثل ما يقرب من ربع مساحة البلاد في حدود سكان أحياء المنازه بتونس العاصمة. وليس من المقبول أن تكون ولايتا القصرين و سيدي بوزيد اللتان تضاهيان مساحة دولة لبنان خاليتين من أي مركز حضري أو مدينة عامرة بمئات آلاف السكان. لابد إذا من استعمار فعلي يجعل البلاد تستند إلى كثافة عمرانية ومدنية أكبر ولنا عبر كثيرة في تجارب بلدان سبقتنا في استعمار جهاتها القاصية واستصلاح مناطقها النائية سأكتفي بذكر ثلاثة منها.
الولايات المتحدة الأمريكية أكبر وأفضل نموذج للاستعمار الشامل والممنهج. فقد بقيت الولايات المتحدة مجموعة دويلات مغمورة و منحسرة على طول الساحل الشرقي ولم ترتقي إلى مرتبة القوة الإقليمية في أواخر القرن التاسع عشر ثم إلى القوة العالمية في أوائل القرن العشرين إلا بعد أن أتمت استعمار الغرب الأدنى ثم الغرب الأقصى من أراضيها. صحيح وأن التغريبة الأمريكية التي تدرس في معاهد الإستراتيجيا كمثال للتخطيط المكلل بالنجاح الباهر أفرزت مجازر ورافقتها مذابح راح ضحيتها ملايين الهنود ولكن الخوض في ذلك مسألة أخرى. التغريبة الأمريكية مكنت من أحداث عدد كبير من المدن أي من الأسواق التي لا يستوي بدونها نماء اقتصادي واجتماعي.
روسيا القيصرية توفر بدورها نموذجا يستحق الدرس والتمحيص. التشريقة الروسية تشبه في كثير من جوانبها ونتائجها التغريبة الأمريكية. فقد كان التطلع إلى ما وراء سلسلة جبال الأورال و المشروع القيصري بغزو سيبيريا المحورين الأساسيين في تعاظم قوة الروس وفي تمكنهم من اللحاق بركب القوى العظمى الأوروبية وبخاصة ألمانيا و فرنسا. استراتيجيا التوسع والاستعمار التي بدأتها روسيا القيصرية منذ القرن الثامن عشر والتي مكنتها من إحداث مدن ذات بال في أقصى الشرق ما زالت متواصلة و ما زال الروس يتدارسون أفضل السبل لاستغلال مناطق شمال سيبيريا المترامية الأطراف وإمكانية تركيز مدن جديدة على أراضيها.
البرازيل ثالث الثلالة وهو النموذج الأقرب منا عهدا والأكثر شبها ببلداننا العربية و الإفريقية. فحتى ماض قريب, كانت البرازيل تعد ضمن بلدان العالم الثالث وكانت مؤشراتها الاجتماعية تدل عن وجود مكامن ضعف كثيرة. اليوم أصبحت البرازيل تمثل واحدة من أكثر اقتصاديات العالم نموا وهي مرشحة لتكون ضمن العشر الكبار في أقرب الآجال. القفزة البرازيلية استندت إلى الكثير من العوامل التي من ضمنها إستراتيجية استعمار دواخل البلاد وخاصة أدغال الأمازون الشاسعة. الإستراتيجية المذكورة بدأت منذ خمسينات القرن الماضي وكانت من بين مظاهرها الجلية نقل عاصمة البلاد إلى مدينة محدثة وهي برازيليا و تنمية مدينة ماناوس في عمق أدغال الأمازون. المدينتان ساهمتا في إحداث حركية اقتصادية بعيدا عن الساحل البرازيلي الذي يمثل الثقل التاريخي والاقتصادي والثقافي للبلاد.
إنّ النماذج الأمريكية والروسية والبرازيلية أمثلة منيرة وتجارب ملهمة وإن شكك البعض في مدى تلاؤمها مع بلد ضعيف البنية, صغير الحجم وقليل الموارد. صحيح أن تونس لا تملك خيرات روسيا الطبيعية ولا تكنولوجيا أمريكا وكفاءاتها ولا غابات البرازيل وأمطارها ولكن الحاجة لا تكون إلاّ على قدر صاحبها كما أن الصعاب تذللها الأفكار والعجز يداويه الابتكار.
بناء على ما تقدم, حقيق على أصحاب القرار في تونس أن يؤسسوا لنمط إنماء شبيه يستند إلى استعمار الجهات القارية وأن يخططوا لإرساء مدن جديدة مع دعم الموجودة منها حتى تكون مراكز عامرة ذات تجارة دافقة وسلع نافقة. الصورة التي يجب أن تكون عليها الجغرافيا الاقتصادية للبلاد في الثلاثينات والأربعينيات من هذا القرن هي صورة تتجلى فيها ثلاث محاور عمرانية و مدنية تجعل البلاد أكثر توازنا وأغنى عمارا:
- الشريط الساحلي ويمثل تاريخيا الثقل الحضري للبلاد,
- الشريط الداخلي الغربي الحدودي الذي يتكون من مدن جندوبة, الكاف, القصرين, قفصة و الجريد,
- الشريط الوسيط الذي يضم سليانة, القيروان و سيدي بوزيد والذي يكون حلقة وصل بين الشريطين الأولين.
هذا تصور قد يسترعي اهتمام البعض وقد ينال إعجاب آخرين ويرضيهم ولكنه يبقى نظريا حتى يترجم إلى مشروع واضح المعالم بآلياته وآجاله وتكاليفه.
3. الثورة في ثورية الأفكار
كنت قد أشرت إلى أن موضوع الإنماء الجهوي في تونس يفرض التفكير في نمط جديد يتيح المزيد من العمار والإنتاج والتشغيل. فما ألفناه من الميكانزمات التنموية لم يكن خاليا من التأثير بعكس ما يروج له البعض ولكنه بلغ سقفا لا يبدو تجاوزه ممكنا من غير أفكار جديدة وبدون تمش مبتكر أو"ثوري". أنا لا أقصد الثورة الجارفة وفي الحقيقة, أنا لست ثوريا ولا أحبذ أن تكون المبادرة بيد الشارع الأهوج بالطبع لكن ثورات الفكر التي تحتكم إلى العقل, إلى خياله الفسيح والى قدرته على الابتكار وعلى استنباط حلول غير مسبوقة هي عين المراد. في هذا المرمى يبدو لي أن الوقت قد حان لكي نوجد قاطرة كبرى تفتح طريقا جديدا للإنماء الجهوي و تحل محل القاطرة القديمةالمعطلة, القاطرة التي كان قوامها الدعم والآليات الإجتماعية لمكافحة البطالة والفقر وبعض الحوافز الجبائية. في هذا المسعى تكون التجارب المذكورة آنفا ملهمة ومفيدة ويكون لزاما علينا أن نقتدي بسابقينا الذين شرّقوا مثل الروس أو غرّبوا مثل الأمريكان أو اتّجهوا شمالا كما فعل البرازيليون وأن نفكّر في الهجرة إلى الجنوب. هكذا أرى خلاص التونسيين وخلاص أكثر البلاد العربية التي لن تتمكن من إرساء قوة دفع إنمائية ذاتية بدون الاتجاه جنوبا لاستغلال السباسب و الصحاري ولاستعمار كل أراضي البلاد بلا استثناء. انه التحدي الأكبر في هذا القرن علما وان الصحاري والسباسب التي تمثل أكثر أراضي البلاد العربية ليست قفارا معدما أو فراغا مطلقا بل هي غنية بالموارد وبأسباب النماء ولكنها تحتاج للعزائم القوية و السواعد الكادحة والعقول الثاقبة. وهنا لسائل أن يسأل: هب أننا أقررنا بأن الخلاص يكمن في الهجرة إلى الجنوب, كيف السبيل إلى إعماره بصورة فعلية ؟ هل يكون ذلك بإجبار الناس على الهجرة إليه ؟
من وجهة نظري الجواب هو نعم, الخلاص في الهجرة إلى الجنوب و لا مناص من إجبار الناس على هذه الهجرة. ولكن لا يعقل طبعا أن يتم ذلك قسرا أو قهرا في زمن أصبح فيه المواطن ينعم ببعض الحرية وهو يطمح للمزيد إنما يكون ذلك بقوة القانون. بعبارة أوضح, يكون ذلك بمصادقة وطنية على مشروع نقل العاصمة السياسية من تونس إلى داخل البلاد ولا أرى مكانا أنسب من جنوب مدينة سيدي بوزيد. عندما أقول الأنسب, لا أرجع ذلك إلى اعتبارات سياسية أو "ثورية" وإنما إلى عوامل جغرافية واقتصادية. المكان الأنسب قد يكون منطقة "الجباس" التي تقع شمالي بلدة المكناسي وهي صرة البلاد التونسية تتوسط كل المناطق وتقع في مكان يؤهلها لأن تلعب دور الوصل بين المحاور العمرانية والمدنية الثلاث التي أشرنا إليها أعلاه وهي الشريط الساحلي والشريط الداخلي الغربي الحدودي والشريط الوسيط.
إن فكرة أو مشروع نقل عاصمة بكل دواوينها و مؤسساتها إلى مدينة جديدة ومستحدثة هو شيء معقد و بالغ التكاليف ولكنه في نفس الوقت مشروع كبير وقاطر بالمعنى الإقتصادي الكينزياني للكلمة. لقد سبقتنا عدّة بلدان في هذا الطرح ومنها البرازيل التي أسلفت الحديث عنها ولكن كذلك الهند وباكستان ونيجيريا والكوت ديفوار وغيرها. كل هذه البلدان سلكت الطريق نفسه مع نتائج مختلفة ونجاحات متفاوة بالطبع. إن فكرة نقل العاصمة إلى داخل البلاد يوفر فرص إنماء جديدة للجهات القارية من دون أن يقزم مدينة تونس أو ينتقص شيئا من دورها التاريخي وأسبقيتها في المجالين الاقتصادي والثقافي. على العكس, قد يوفر مشروع استبدال العاصمة فرصا أكبر لمدينة تونس حتى تتمكن من نمو أفضل وأقل عشوائية, نمو يقطع مع الإشكاليات الحالية التي تعجز مدينة تونس عن إيجاد حلول لها و منها الازدحام والتلوث وفقر البنية التحتية وأكثرها خطرا إتلاف أفضل الأراضي الزراعية بالبلاد.
إن فكرة أو مشروع نقل عاصمة بكل دواوينها ومؤسساتها إلى مدينة جديدة ومستحدثة لا يتحقق في عامين أو ثلاثة ولكنه أمر يستحق كل الاهتمام والتمحيص لأنّي ممن يصرون على أنّ الخلاص في الهجرة إلى الجنوب.
في التنمية الجهوية : الخلاص في الهجرة إلى الجنوب
2025-10-24
387 قراءة
مقالات بحوث
سامي بوصفارة
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال