بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

هل تصحو الأمة بعد حرب غزة؟

2025-10-24 506 قراءة مقالات رأي عبد العزيز كحيل
1
إن لم تصحُ هذه المرة فلن تصحو إذًا أبدا، وقد رأت يد الله عمل عاميْن كامليْن في القطاع المحاصر، ورأت مصداق الآية الكريمة "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها"، رأت رحمة الله تنزل على المجاهدين والمرابطين وهم يواجهون ذلك العدو وهو مزهوّ بقوته الغاشمة فلم يحرر أسراه ولا قضى على حماس، ورأت الأسرى يخرجون من سجون العدو بعد أن ظن أنهم قد غيّبهم حتى الموت، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف"- رواه الترمذي.
لم تكن معركة عادية، بل هي إنجاز يفوق الجهد البشري، وخارقة حقيقية شهد بها حتى غير المسلمين،
محصت الصفوف بصورة واضحة لا لبس فيها، فرأينا أن المحارب هو أمريكا ومعها الغرب، وتيقنا أن الأنظمة الوظيفية ترفض بقاء حماس لأنها بمرجعيتها وأدائها في حال السلم والحرب نموذج ترفض تكراره لأنه يقوض أركان حُكمها الشمولي المتسم باالتبعية والرداءة، ورأت المؤسسة الدينية الرسمية قد أصبحت في كثير من البلاد ظهيرا للعدو وللأنظمة المتواطئة معه، فكيف لا تصحو الأمة بعد حرب ضروس غير متكافئة بهرت العالم، ولها ما بعدها إن شاء الله؟ والصحوة تعني التحرر من هذه الأنظمة وشيوخها وعدم تصديقهم ولا الثقة بهم بل استبدالهم، وهي فرع من صحوة عالمية ضد الكيان وأمريكا، فقد تجند الفنانون واللاعبون والمؤثرون في الغرب كله وفي آسيا – ومعهم اليهود الأسوياء أنفسهم – ضد العدو الصهيوني، واستفاقوا من الغيبوبة التي فرضها عليهم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وعرفوا حقيقة الكيان الغاصب وهمجيته وأبدعوا ألف طريقة لفضحه ومحاصرته، وقاطعوا المباريات والفعاليات التي يحضر فيها ممثلوه، وهو شيء لم يكن يتصور أحد حدوثه بسبب السيطرة اليهودية على مستوى العالم، وهذا رافد كبير لصحوة امتنا وأمل في ربيع عربي جديد ينال ثقة الأمة ويفتح المجال لمرحلة بناء وتجديد وإصلاح، فبالجهاد حررت المقاومة الأسرى، وبالوعي تتحرر الأمة وتصحو، وهذا الوعي المرتقب يبدأ بتجديد الثقافة الدينية وإعادة صياغتها صياغة أصيلة بعيدة عن التحريف "العلمي" والتوظيف السياسي الفج، فالعقيدة – على سيبيل المثال – ينبغي أن تنتقل من أداة لترهيب الأمة وتدجينها واستحمارها لتعود كما أرادها الإسلام أداة للتحرر والقوة والفعل والإنجاز والكرامة والعزة، فما قيمة هذا الذي يسمونه "التوحيد"؟ هذا التوحيد الذي يجعل المسلم يقف في صف اليهود في غزة، وفي صف بشار وإيران وروسيا في سورية، وفي صف أمريكا في العراق وأفغانستان، التوحيد الذي يجعلك تقاتل المسلم وتمتنع عن قتال الكافر الصائل، التوحيد الذي يجعلك في صف الطغاة المستبدين ضد الجماهير المسلمة المسحوقة، التوحيد الذي يجعلك توالي وتمدح وتدافع عمن تولوا الكفار جهارا وأنت تعي كل ما يفعلونه من تغريب وعلمنة وإفساد وظلم، التوحيد الذي يجعلك تقف في صف العلمانيين ضد الجماعات الإسلامية العاملة، التوحيد الذي يجعلك تقف في صف من يحارب الدين ضد من ينادي بتحكيم الشريعة، والذي يجعلك تقف في صف الظالم ضد المظلوم، التوحيد الذي حربُه كلها على العلماء والدعاة والمصلحين، حرب يسلم منها أعداء الدين الواضحون، التوحيد المتعايش والمتصالح مع النظام الليبرالي الدولي وهيئاته ونظمه وأدواته وقوانينه وتصوراته، التوحيد الذي لا يصيب الكيان وأمريكا وأعداء الدين المعتدين بخدش بل يعادي أعداءهم من مجاهدين ومرابطين ومؤيدين ومتعاطفين...إن التوحيد الذي يجعل المسلم يفعل كل هذا توحيد زائف مفبرك، توحيد ضرار، توحيد مخابراتي لن يتحرر المسلم ولن تخطو الأمة خطوة نحو إحياء رسالة الإسلام إلا بالتخلص منه، ودعاتُه هم أحوج الناس إلى تعلم التوحيد الحقيقي.
من شأن هذه النقلة الثقافية أن تجعل قطاعا من العرب والمسلمين يسلّمون ببديهيات حال هذا التوحيد الغريب دون إبصارهم لها، فعلى سبيل المثال احتار العالم كله في قدرة حماس على إخفاء الأسرى فلم يهتدِ إليهم العدو رغم قدراته التقنية والاستخباراتية الهائلة، وأجبرت حماس أمريكا والكيان على التفاوض، وفي أول أيام الهدنة أظهرت هذه الجاهزية العظيمة لإدارة القطاع على مستوى الخدمات، النظافة، سير المركبات، الأمن، فتح الجامعات، بدء ترميم المساجد، ملاحقة الخونة والعملاء، الاستيلاء على أجهزة التجسس غير المرئية التي زرعها العدو قبل انسحابه.
هذه الثقافة الجديدة تؤدي كذلك إلى دحض الافتراءات بغطاء ديني التي تسخر من طوفان الأقصى، فلماذا لا نقلب المعادلة ونسأل: ماذا استفاد الكيان بمقتل آلاف من جنودها وإصابة آلاف غيرهم، وتدمير اقتصاده، كراهية المجتمع الدولي لمظلوميتها الكاذبة، واهتزاز صورة جيشه الذي لا يقهر في عدوانه على غزة وعجزه عن تحرير أسراه؟
بمثل هذا تصحو الأمة.

عبد العزيز كحيل

التعليقات والردود

1
بنور تمرابــط
2025-11-09
الحالة المزرية التي يعيشها إخواننا في غزة وكذا في الضفة ونحن مقبلون على فصل البرد والأمطار. سقف الغزاويون السماء وفراشهم الأرض هذه الوضعية لم تلقى اهتمام الشعوب إلا القليل إن لم تستيقض الضمائر وتنتبه لما يراد بها من قبل العبيد العدو الماكر والقريب المتخال المتواطىء فالدور قادم لما حال على الباقي ولا حول ولا قوة إلا باللــه.

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال