المشتغلون بالإسلاميات، ممّن يُسمَّون علماء، هم ذوو تعلّق معرفي فقط (*)، وليس فكريًّا كما يُتوهَّم. مجالهم الفتوى ومعالجة العينيّات "التقنية"، أي الحالات الفقهية المحدّدة، مثلهم مثل المختصّ في الطب أو الهندسة أو الفلاحة
لكن صاحب المعرفة، أي الطبيب أو المهندس أو المشتغل بالإسلاميات، فإنّ كفاءته المعرفية لا تخوّله أن يُعتمد عليه ويُتعامل معه بوصفه منتجًا للفكر. أي ليس لمجرّد أنّه حافظ للقرآن أو مختصّ في حقل فقهي ما يصبح يتحدّث في مسائل الواقع ويستشيره الناس، مثلما أنّه ليس لمجرّد أنّ أحدهم طبيب أو مختصّ في إصلاح السيارات، مثلًا، يصبح الناس يستشيرونه في مسائل الواقع وقضاياه
الواقع في مستوى فهمه تجريديّا، من حيث إدراك نموذج تأطيره التصوّري والتأثيرات الحاصلة فيه وآليّاتها، هي مسائل تتطلب كفاءات فكرية تجريدية وليست كفاءات معرفية. لكن حين البتّ في مسألة محدّدة عينيّة تقنية ما، يجب الرجوع إلى صاحب المعرفة، أي إلى الفقيه والطبيب والمهندس والفلاح مثلا
لذلك، الفتوى لا تصحّ ولا قيمة لها إلا في المسائل العينيّة، أي كأنّها حكم القاضي في أمور محدّدة يُفصل فيها. أمّا مسائل الواقع فهي مساحة فكر وتعلّق فكري، وليست مساحة تعلّق معرفي
والقبول بأن يتحدّث المختصّ بالإسلاميات ("عالم") في الواقع ويؤثّر فيه من خلال الفتوى، هو تحكّم في مساحات التفكير وتجميد له، وخلق تفاضليّة في الآراء التي تتناول قضايا الواقع، من خلال صنع قيمة مضافة لرأي المختصّ بالإسلاميات والإيهام بأنّها من الإسلام، وذلك حينما يقدّم رأيه في صيغة فتوى.
بينما تلك الفتوى مجرّد رأي، بل قد تكون أقلّ الآراء جدارة، لاكتفاء "العالم" أو الفقيه بالتخصّص في الإسلاميات، وهي فرع من الإنسانيات، والإنسانيات هي أقلّ الفروع المعرفية إعمالًا للعقل وأضعفها تمكّنًا من أدوات الفهم والتجريد مثل الرياضيات وفروعها، والمنطق وفروعه
لذلك، كانت المعرفة دائمًا تابعة للفكر، وكان أصحاب المعرفة، ومنهم المشتغلون بالإسلاميات، دائمًا في خدمة أصحاب الأفكار والمشاريع الفكرية / السياسية، ونتيجة لكل هذا فإن الواقع لا تغيّره المعرفة وإنّما تغيّره الأفكار
وبهذا المعنى نجد المفتي والجامعات الإسلامية (التي هي أدوات معرفية وليست فكرية) وفيالق العلماء، نجدهم في كل دولة يخدمون النظام السياسي القائم باعتبارهم وسائل لتبرير الواقع والإقناع بشرعيته
وكلامنا هذا تفريع من مسألة الخلط بين المعرفة والفكر، وهو نتيجة اعتقاد أنّ صاحب المعرفة هو بالضرورة منتج فكر (وبالطبع يمكن لصاحب المعرفة أن يكون منتجًا للفكر، لكنّه يفعل ذلك لا لأنّه صاحب معرفة بالضرورة)
(*) يمكن كذلك الرجوع إلى مقالات عديدة لي حول هذه المسائل، أو إلى كتابي المركزية العقدية حيث فصّلتُ الفرق بين المعرفة والفكر.
------------
فوزي مسعود
#فوزي_مسعود
لا يصحّ الإفتاء في مسائل الواقع: المختصّون بالإسلاميات أصحاب معرفة وليسوا أصحاب فكر
2025-10-03
1225 قراءة
فوزي مسعود
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال