من الملك الوراثي إلى الرئاسة مدى الحياة إلى الجمهورية الحقيقية..
البورقيبية وحّدت تونس واستقلّ بها صاحبها عما دونها من دول الماضي العربي الإسلامي في حمى فرنسا والعالم الغربي الإمبريالي الأمريكي بزعامته الفردية وإيديولوجيته القومية، مستغلا إلى الأقصى إرثها العربي الإسلامي لتوحيد القوم في شخصه دون أن ينمي ذاك الإرث إلا لخدمة نزوعه إلى دولة باسمه وحده وللبورقيبيين من شاكلته ولو فنيت في حبّه دون الخالق ورسوله.
فأفرخ في الأوّل أحد بلدياته ليخلفه بالدستور حيا وميتا ثم نكث عنه إلى عسكري ينجيه في شيخوخته الممتدة بقوة العسكر والسلاح الأمني أن تقع في يد الانقلابيين القوميين والإسلاميين عليه في عجزه عن كل أدوات السلطة لقمعهم كالسابق فقلده إياها كأحد أبناء صنيعته من جنرالات فرنسا الحنيّة على ماضيها معه إلى حدّ تسميته أيام الكفاح الوطني بالفرنسي الكبير لخطه السياسي قبل الاستقلال وبعده ضد الخصوم القوميين والدينيين في البلد الذين استصفاهم للفوز دونهم بمعركة التحرير وقلْب الملك الوراثي على صاحب العرش ليتقلد دون غيره رئاسة الجمهورية لفترة أولى ثم لتصبح مدى الحياة دون منافس أو معارض إلا ظلّه.
فأبطأت الثورة لتطيح بسليل البورقيبية الأول بسبب الحكم العسكري الذي عمّر فيه أكثر من عشريتين، وتولّى الحكم بعده كالثأر منه سِنْخ متبقّ من المعارضين الإسلاميين الأقدمين لتخرج من أيديهم سريعا بعد أقل من عقد من الاضطرابات والانتكاسات حتى سقطوا في جبّ عميق يوم أن قضى عليهم بالانفكاك عنهم البورقيبيّ الثاني في السلسلة الاستقلالية البورقيبية الذي افتك منهم السلطة إلى حين وفاته، فلم تلبث أن انتقلت الدولة بعده إلى فردية مترشح وحيد مستقل غريب عن الأحزاب والماضي السياسي إلا نظريا فترنّحت الدولة تحت حكومته لتتولاها بورقيبية ثالثة كعارضة وقتية لم تلبث أن انتقلت بعدها كالثأر كذلك إلى ابن من أبناء شيوخ القوميين القدماء الذين قضوا على يد بورقيبة كالإسلاميين بعدهم.
فهل الدولة قد تحصّلت في الأخير أو تحصّنت بيد لن تلفت منها إلى صاحب ثأر وإنما إلى من هو أقوى على الحكم باسم الديمقراطية وإرادة الشعب المعبر عنها بصناديق الاقتراع واحترام الدستور؟
أم هل كانت مراحل لم يكن بدّ من قطعها لتجاوز مخلفات الاستعمار ومُقَبّلات الاستقلال؟
كل الأمراض الناتجة عن الحكم الفاسد والعقد السياسية والانحرافات بمصالح الدولة لحساب المصلحة الخاصة والأنانيات الفردية أساسه التربية والتعليم والأخلاق وحسن السلوك وفوق كل ذلك الدين القويم، والدولة التي لا يسودها العدل والنظام لا تقوم لها قائمة ولا يدوم فيها عمران.
------
م ك
تونس في ١٨ صفر ١٤٤٦ ه / ٢٤ أغسطس آب ٢٠٢٤م
المستقبل السعيد
2024-08-29
1198 قراءة
مقالات رأي
د - المنجي الكعبي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن
تعليق على مقال