بوابتي - مقالات فكر ورأي وبحوث

التاريخ بين العرب والفرس ليس يوما واحد (2)

2008-05-05 9741 قراءة مقالات بحوث الدكتور ابو فراس
التاريخ بين العرب والفرس ليس يوما واحد (2)
‏( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشبه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) صدق الله ‏العظيم
يطلق رجال السياسة على حركات أو مراحل أو أمر ما، بأنه تاريخي. وهنا يعني الأمر ‏ودرجة ملائمته لقوانين التطور التاريخية. ولكن السياسيون ليسوا دائماً علماء، ليسوا علماء ‏تاريخ أو سياسة، بل على العكس من ذلك، إذ نادراً ما يكون السياسيون علماء، وتلك مسألة ‏يجري نقاشها من عهد أفلاطون وحتى يومنا هذا. ولطالما كانت مدار محادثات بين علماء ‏السياسة والتاريخ. ‏
ولا يخفي القادة السياسيون، (اقصد بالضبط رجال الحكم)، تبرمهم وضيقهم من رجال العلم، ‏بسبب اعتراض العلماء على أحكام وقرارات قادة السياسة. فرجل السياسة يميل على اعتماد ‏أدوات ووسائل لا يقيم لها عالم السياسة وزناً خطيراً، وله، لرجل السياسة، وسائل لإدراك ‏رأي الناس وميولهم وقبولهم وسخطهم، لا يعترف بها العلماء. ورجل السياسة يميل إلى الأدلة ‏المادية والعقلية. وفي قراره على قدر من المغامرة والمجازفة، قليلاً أو كثيراً، معتمداُ على ‏شجاعته الفردية وحكمته وبعد نظره، وزعامته الفذة وكاريزما لا يقصر المنافقون في تعداد ‏جوانبها...الخ، فيما يميل عالم السياسة أو التاريخ إلى اعتماد معطيات واقعية يمكن حسابها ‏بدقة قدر الامكان. وليس نادراً ما سمعنا أن حاكماً ضاق ذرعاً بنصائح مستشار (يحيط رجال ‏السياسة عادة أنفسهم بعلماء ولكنهم لا يصغون إليهم)، لم يحسن أسلوب إسداء النصح فأدى به ‏ذلك سفيراً في دولة نائية ! هذا إن كان حائزاً على رضا الله والوالدين !!‏
ورجال السياسة الفرس يتمتعون بالدهاء وبطول النفس، المطاولة. وتلك نتيجة للمزاج الشرقي ‏المحب للتأجيل والتأني، كما للطقس الطعام ولأشياء أخرى كثيرة منها على سبيل المثال: ‏الأمثال الكثيرة التي تساق كحكم وعبر تحث على التأجيل والزيادة والاستزادة في التأكد، وما ‏إلى ذلك.‏
ولكن على الرغم من ذلك، فالزعيم السياسي الفارسي يبدأ بفقد صبره عندما يكون على قاب ‏قوسين أو أدنى من قرص الحلاوة، وفقدان الصبر يتميز بعدة مظاهر منها: يفقد التركيز على ‏دقة أداء الدور المسند إليه فيحاول تجاوزه، حينئذ يتلقى ما يعيده على موقعه وتذكيره بأنه ما ‏هو سوى لاعب ضمن فريق، وللفريق كابتن يتميز بغلظة القلب وقلة الحياء عندما يتعلق الأمر ‏بالأعمال، وما ينجم عنه أيضاً أن يتعجل هذا الخطأ هتك سر قبل أوانه.‏
ولكن الخطأ الأكبر والأعظم يتمثل بتقديرنا بالقراءة الخاطئة للمعطيات التاريخية وبالتالي ‏التوصل إلى استنتاجات خاطئة. ويركب هوس العظمة العقل الفارسي فلا يعد يستطيع الفكاك ‏من جنون العظمة، ومع تشجيع النظارة، وهي عملية تسخين رائعة يمارسها الفرس بإتقان ما ‏فيه عيب سوى أنه كما هو سريع المفعول، فإنه سريع التبخر والزوال أيضا. ليتحول المشروع ‏السياسي المكتوب بإتقان على الورق، وربما كانت بدايته حسنة الأعداد والإخراج، وحتى ‏التمثيل، ولكن الأمر ينتهي في آخر الأمر إلى كوارث.‏
والسر الخطير الذي هتك أخيراً، بعد ناور الفرس حوالي خمسة عشر عاماً للحفاظ عليه، بل ‏واستطاعوا أن يغشوا الكثير من الناس، وممارسة للباطنية هم مبتدعوها، استطاعوا أن يغشوا ‏بممارسة سياسة التشكي والتظلم وتوزيع التهم، ولكن في النهاية فإن حبل الكذب قصير، ‏وسالت الأصباغ على وجوه الممثلين، وإن عليهم أن يخضعوا لاستجواب التاريخ، ومن ثم ‏لقراراته القاسية، لكن العادلة ! ‏
اليوم صار شبه معلناً حتى لمن ينظر للأمور بعين واحدة ! بروز محور واشنطن، تل أبيب، ‏طهران. هناك نظرية قديمة وشائعة، في التحقيق والتحقق. والنظرية تقول: من المستفيد ؟... ‏والحقائق أمامنا تصرخ وتضج. ومن نافلة الكلام أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى من ‏أجل مصالحها، بل تقاتل، بل تسفك دم مواطنيها من دافعي الضرائب ومن الناخبين، ومن ‏البديهي أنها تفعل ذلك لمصلحتها هي وليس لمصلحة غيرها، بما في ذلك اقرب حلفائها، ‏الإنكليز مثلاً، وقد شاهدنا ذلك بوضوح تام. وعلى الآخرين، حلفاء مشاركين كانوا، أم ‏مساهمين، أو حيوانات قمامة، من ضباع وثعالب وأبناء آوى، وإبداء الأدب، وانتظار الدور ‏في التمثيل والتنفيذ وأخيراً تنظيف ميدان الوليمة، وأخيراً تناول حصته من الحفلة، دون تذمر ‏أو استياء. ‏
فمن المستفيد ؟ ‏
والحق، فإن الفرس نفذوا الدور على وضاعته، وإن ليس بدقة الصهاينة أو الإنكليز، ولكن مع ‏ذلك لم يطردهم مدير العمل لإدراكه تشوقهم أداء هذا الدور. فعندما يتعلق الأمر بعداء العرب ‏والإسلام، يتململ في قلب الفرس لوعة قديمة، وإذا صاحب ذلك تحرك فعلي فلا يطيق الفرس ‏صبراً، أما إذا أنطوى الأمر على إيذاءهم، فأنهم يفقدون كل حلم وصبر واتزان، وهذا ما فعلوه ‏عام 1991، ولكنهم أساؤا التنفيذ وتلقوا العقاب، وتحلوا بعدها بآخر قطرة صبر في دكاكين ‏الصبر ليلعبوها بدقة، وهكذا كان.‏
ومع ذلك، في مستهل مرحلة ما بعد الجولة الأولى، فارقتهم كل أمكانية أن يبدو بمظهر ‏الرزين المحترم، وها هم يلعبون الدور برداءة مخجلة، وها هو أمامنا محور: واشنطن/ تل ‏أبيب/ طهران. فهم يطرحون أنفسهم بجلاء كمستفيدين وحيدين في ميدان لعبة الأمم المعاصرة ‏في القرن الواحد والعشرين.‏
والغريب المدهش، أن المتتبع لمعارك الفرس عبر التاريخ، يلاحظ أنهم يخوضون معاركهم ‏السياسية والعسكرية، بنمط واحد، وتنتهي معاركهم على ذات الوتيرة والنمط، أسلوب لا ‏يستطيعون منه فكاكاً، وليس غواية بالنتائج الكارثية، بل أن الفرس يعاندون من عقد نفسية ‏دفينة غائرة في العمق، ولسباب شتى فهم يشعرون أنهم في علبة مغلقة لا بد من النفاذ منها، ‏ولكن كيف ؟ ذلكم هو السؤال الجوهري !‏
نعم، هناك أسلوب الانفتاح على دول الجوار بكافة الاتجاهات وإقامة صلات ودية على أساس ‏احترام مصالح الجميع. ولكن أنى ذلك والفرس قد اعتادوا أن ينالوا ما يريدون عنوة أو خلسة ‏سيان، ولكن ليس نهاراً جهاراً وعلى رؤوس الأشهاد وبرضى جميع الأطراف، فتلك تبدو ‏صعبة على من يعاني عقدة الزعامة والعظمة والغطرسة، وادعاء ما لا يملك. ‏
قادت هذه العقد والمشاعر إلى عداء للعرب لم يجدوا منه خلاصاً لم يخفف من غلواءه حتى ‏الإسلام. تلك العقدة/الأزمة، الصامتة الكامنة حيناً، والصاخبة الصارخة أحياناً كثيرة. فهم ‏اعتقدوا أنهم إن أدخلوا بدعهم الزرادشتية والمزدكية إلى الإسلام، بأنهم سيصنعون إسلاماً على ‏طريقتهم، أو يحمل نكهة الديانات الفارسية، بأنه سيكون شيئاً ليس عربياً خالصاً، وهنا فقط ‏بالكاد سيكون شيئاً مقبولاً لهم ! ‏
وأخطأ الفرس هذه المرة تماماً فالإسلام ليس عربياً، أو بالأحرى ليس موجهاً للعرب فقط، بل ‏هو موجه لأقوام لم تكن مكتشفة بعد يوم نزل الإسلام، كالأمريكيتين مثلاً، نعم شرف الله عز ‏وجل، العرب بحمل الشعلة الأولى، وهو بلا شك شرف عظيم نحمد الله سبحانه، ونتقبل ‏بسرور ما ينجم عن هذا التكليف الإلهي، من خير وشر وليس من الضروري أن نتحدث عن ‏اختيار الله لهذه الأمة، فتلك إرادة إلهية غير خاضعة لمجادلة بني البشر.‏
ويحلو للفرس فهم الحقائق على الطريقة التي تحلو لهم، وبها يفسرون الآيات القرآنية، أما ‏الأحاديث فهم لا يتورعون، اختراع ما يناسب أطروحاتهم منها، معتقدين، أن طالما أن الأمر ‏يتحمل الدس على الحديث، فلما لا ؟
وقد حضرت مرة مناسبة من هذه وكنا في مجمع أوربي نتبادل وجهات النظر ونشرح ‏للأوربيين وجهات نظرنا ونحاول تصحيح بعض ما ألقاه الأعلام الصهيوني فيهم من سموم، ‏فإذا بي أسمع فارسياً من خلفي يصب الافتراءات على القرآن وعلى أحاديث الرسول (ص)، ‏قائلاً أن الرسول قد تنبأ بانتصار الروم، كما أنه تنبأ بقدوم قوم من الشرق ينقذون الإسلام ‏ويصف هؤلاء القوم على أنهم الفرس. فقمنا بإيضاح: أن نصر الروم هو أمر ألهي قد ورد في ‏القرآن :" غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون " 3 ت الروم)، ‏والرسول(ص) لم يتنبأ بشيء من هذا بل إن آية تنص :" قل لا أقول لكم عندي خزائن الله و لا ‏أعلم الغيب " 50 الأنعام). ‏
ويختلط الجهل بالتزوير عند الفرس في تفسيرهم للقرآن، ليس بسبب جهلهم أو ضعف معرفتهم ‏باللغة العربية، بل بسبب عدم دراستهم القرآن واكتفائهم بحفظ الأدعية، وما إلى ذلك، ثم هناك ‏الآفة الأخطر المتمثلة بالتأويل الفاسد القرآن، وهي من الكبائر أن يفتروا على الله كذباً والعياذ ‏بالله: " ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعي الإسلام " 7 ـ الصف).‏
ثم أن فارسياً آخر يدعي العلم، ويدعو الناس للجهالة، ويسيء للإسلام حيال الأوربيين بتزويره ‏أحداث ومداخلات صلح الحديبية، حتى استقر رأي الرسول على عبارة :" باسمك اللهم " ‏فأدعى الفارسي أن العرب في الجاهلية لم يكونوا يعرفون الله. فأوضحنا للجمع الأوربي، أن ‏العرب كانوا يعرفون الله ولكنهم كانوا يشركون به، متخذين من الأصنام والأوثان والأحج&;;#1575;ر ‏زلفى يتقربون بها لله تعالى. فأحتج الفارسي على كلامنا، فسألته أمام الحضور: قل لي ما كان ‏اسم والد الرسول(ص). وأمتنع الفارسي، ولم يشأ أن يعترف إلا بعد أن أحرجه الحضور. ‏وهذا الفارسي هو رجل له أهميته الثقافية والسياسية. وتلك أمثال نضربها للناس لعلهم ‏يتفكرون.‏
وبوسع كل لبيب أن يشاهد بوضوح جلي في أي محفل ثقافي أو فكري أو سياسي في أوربا ‏كيف يغتم بل ويتوسل الفارسي أي مناسبة تحتمل التهجم والافتراء على العرب والإسلام، ‏ويستوي في هذا جهلتهم ومثقفيهم وعلمائهم وقادتهم السياسيين، وليس الأمر بسوق حقائق ‏موضوعية، بل هي توليفة أكاذيب مدهشة يعتني الفارسي اشد العناية بخلطها وتزويق حديثه ‏والتذلل لمحدثيه ليمرر أكاذيبه وافتراءاته، ولكن هيهات له ذلك، فالناس أذكى من أن يجرعوا ‏عنوة السموم الفارسية مذاقة في عسل رخيص مر. ‏
إنهم يحاولون دون توقف، منذ الحركة الشعوبية، بل قبلها، منذ أن أقدم أبو لؤلؤة الفيروزي ‏على فعلته، وله اليوم في بلاد فارس نصب مهيب ! ، يحاولون بأساليب وطرق شتى أن ‏يوقفوا شعاع أطلقه الله سبحانه: " يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم ‏نوره ولو كره الكافرون " 32 ـ التوبة).‏

-----------
ملاحظة: الدكتور ابو فراس هو كاتب عراقي، فضل عدم نشر اسمه (الذي امدنا به) لدواع أمنية كما قال

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق

تعليق على مقال