1) الحركة الإسلامية في تونس نبت غريب لم تنشأ في البيئة التونسية ولم يكن للزيتونة عليها أي تأثير بل نشأت في صدام معها يقول الغنوشي: "ولذلك لم تكن الحركة الإسلامية المعاصرة في تونس من ثمار جامع الزيتونة بل لم يكن للجامع دور يذكر في نشأتها كانت الحركة الإسلامية إلى حد كبير انعكاسا لأثر الفكر الإصلاحي في المشرق... وأوّل ما قرأته لابن عاشور كان في الثمانينات ولم أكن قد قرأت كتابا إسلاميا تونسيا واحدا.... بل كل الذي قرأته من قبل كتابات مشرقية هي التي فتحت لي الطريق إلى الإسلام ولكنها أوقعتني في قطيعة مع تراث الإسلام المحلي... واصطدمنا في المجتمع التقليدي بمشايخ جامع الزيتونة.... أنا لم يكن عندي أي دافع لأن أقرأ التحرير والتنوير كنت أقرأ وأكاد أحفظ عن ظهر قلب الظلال"(4) وهو ما جعل هذه الحركة تتعامل مع التونسيين من موقع الغريب فهي مجتمع منغلق على نفسه في أفراحه وأتراحه ولباسه وقراءاته يختلف عن التونسيين في كل شيء ولهذا السبب بالذات لم تستطع لحدّ الآن أن تكوّن لها علاقات بالنخبة وبقي تأثيرها منحصرا في المنتمين إليها فهي تعيش غربة تؤكد أنها نبت لا ولن يثمر في الأرض التونسية.
2) تقوم الدولة الحديثة على أساس المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن الدين أو اللغة أو الجنس أو غيرها من المحدّدات الأخرى أما الدولة التي يدعو إليها الغنوشي فهي الدولة العقائدية التي يحدّد واجباتها في: "بذل أقصى الجهد لإزالة الحواجز بين المسلم وأخيه المسلم وأن تجتهد في أن تكون ملجأ وعونا للمظلومين من كل ملة وورشة عمل وجهاد وثورة شاملة مفتوحة للكفاءات الإسلامية حيث كانت.... ولا مانع عندنا إطلاقا بل نرى مهما جدا بالنسبة إلى دولة إسلامية أن تستعين في إدارة أجهزة الحكم ولو في أعلى سلم التوظيف بالكفاءات الإسلامية... في اللجان المختصة لمجلس الشورى أو في هيئة العلماء للرقابة على القوانين وما إلى ذلك دون تقيد بالجنسية"(5) فهي دولة المجاهدين الذين يتم إعدادهم لنشر إسلام الحركة وليست دولة ملتزمة بالقوانين الدولية وأسس العيش المشترك، ومواصة في نفس الاتجاه لا ينظر الغنوشي بعين الرضا إلى النظام الإسلامي الإيراني لأنه يعلي من القومية الفارسية ممثلة في المذهب الجعفري الإثنى عشري وولاية الفقيه ويشترطهما في الوظائف العليا للدولة يقول: "ونحسب أن في الدستور الإيراني بهذا الصدد تشدّدا في التأكيد على إيرانية الدولة..... نأمل أن يشهد تليّنا بل نذهب إلى أبعد من ذلك إلى أهمية تمكين عدد من رجال الفكر والسياسة البارزين في خدمة الإسلام من حق العضوية كاملة ـ ولو بقدر محدود ـ كسرا لحواجز الجنسية وتبشيرا بدولة الإسلام العالمية"(6) والمستفاد مما ذكر أن من يشرّع ويبرّر للتفريط في السيادة الوطنية بتسليم قيادتها لغير أهلها لن يتورّع عن نهب الدولة التي لا تطبق الشريعة تحت أي ستار كان كالتعويضات أو غيرها طالما اعتبر أن في ذلك دعما للدولة العقائدية المفتوحة للمجاهدين من كل أصقاع الدنيا.
3) لا يعترف الغنوشي بالذاتية والشخصية التونسية التي صاغها التاريخ والعيش المشترك بين أبنائها إذ يرى في دولته العقائدية: "مجتمعا مفتوحا لكل العقائد والأجناس يتمتع فيه الجميع بحقوق المواطنة إما بعقد الإسلام أو بعقد الذمة أي المواطنة أو الجنسية"(7) وهو ما يعني أن سكان ما يسمى الجمهورية تونسية صنفان مسلمون وهم أتباع نحلته والبقية أهل ذمة مستأمنون بعد دفع الجزية مقابل التنازل عن حقوقهم في الدفاع عن وطنهم كتوانسة(8).
ضمن هذه الرؤية التي تلغي مفهوم الدولة العادلة وتنتقل بها إلى دولة المؤمنين تتنزل المطالبة بالتعويضات التي تقوم لدى حزب النهضة مقام الجزية على الكفرة دفعها للجماعة، كل ما قيل أعلاه لخّصه مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين في قوله "طز في مصر" وإن في التاريخ لعبرة.
------
الهوامش
1) "بين الدعوة القومية والرابطة الإسلامية: لأبي الأعلى المودودي، دار العربية للطبع والنشر بيروت 1967، ص36.
2) "معالم في الطريق" سيد قطب، دار الشروق مصر 1980، ط8 ص151 و157.
3) "الوطن والمواطنة في ضوء الأصول العقدية والمقاصد الشرعية" يوسف القرضاوي، دار الشروق مصر، ص34.
4) "من تجربة الحركة الإسلامية في تونس" راشد الغنوشي، دار المجتهد للنشر والتوزيع، طبعة تونس الأولى 2011، ص41 و 43 و44 و229.
5) "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" راشد الغنوشي، مركز دراسات الوحدة العربية، ص137، هذه الفقرة نجدها في الطبعة التونسية لسنة 2011 في الصفحة155.
6) المصدر السابق ص137.
7) "حقوق المواطنة وضعية غير المسلم في المجتمع الإسلامي" راشد الغنوشي، مطبعة تونس قرطاج تونس 1989، ص27.
8) المصدر السابق ص69.