مؤشرا هاما علي أنتشار هذه الاخبار في الجاهلية .. كما عرفت قريش العديد من القيم مثل نصرة الضعيف ويظهر هذا بوضوح في واقعة “حلف الفضول”، حيث كانت شكوي أحد التجار ضد العاص بن وائل وقد كانت علي قدر كبير من السطوة والمنعة ولكن ذلك لم يمنع سادة قريش من الاجتماع في دار ابن جدعان والانتصار لحق التاجر ورده اليه وقد حضره النبي ، وقال عنه لاحقاً، "لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت". كما كان للمجتمع العربي دار الندوة والتي كانت بمثابة مجلسا تشريعيا وتنفيذيا في آن واحد حيث كان التشاور واتخاذ القرار وعقد الوية الحرب تتم هناك ... أضافة الي معرفتهم بما يمكن تسميته بالابتعاث الخارجي لتحصيل المعارف والذي مثله طبيب العرب الشهير الحارث بن كلدة الثقفي والذي تعلم الطب في فارس وله محاورة شهيرة مع كسري تمثل المكانة العليا التي وصل اليها وقد كان يداوي الصحابة فيما بعد ومنهم سعد بن أبي وقاص..كما شهد المجتمع العربي الجاهلي طفرة أدبية شعرية جسدها شعراء المعلقات وكذك المكانة التي ارتقاها بعض شعراء العرب من أمثال النابغة الذبياني في بلاط النعمان بن المنذرملك الحيرة .
ومن هذه الأمة كان اصطفاء الله عز وجل للمصطفي صلي الله عليه وسلم ليكون حاملا لرسالته الخاتمة قال تعالي : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُوْلاً مِنْهم) وقد كان تفسير القرطبي الأسبق في تعريف (الأمي) بنسبة النبي صلي الله عليه وسلم إلي مكة أم القري..
أن اشكالية قريش مع النبي لم تكن ابدا في هذا القصص القراني الذي لم يكن مفاجئا لهم في شخوصه أو محتواه من حيث الاطر الشكلية العامة وبالتالي لم تكن محاولة التيقن من أميته أو الوصول الي أشخاص علي صلة بالنبي من احبار او رهبان أخبروه بهذه القصص كان شغلهم الشاغل .وانما كانت مشكلتهم مع العلم ..أجل العلم الذي استخدمه القران في التدليل علي التوحيد قال تعالي : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) ..أنها معركة العلم والتنوير في كل العصور في تحرير العقل ليصبح مهيمنا وموجها للبشرية في معركتها الأزلية مع الجمود وأن تتخلص البشرية من ربقة عبادة العباد والتوجه الي اله واحد يحيطهم بتعاليمه وينزع عنهم صفات العنصرية والتعصب القبلي البغيض..
لقد كان تعلم النبي للقراءة أمر حتميا استلزمته مهمة شاقة هي تدوين وحفظ القرآن الكريم وهو ما يستلزم متابعة النبي لفريق عمل كبير من كتبة الوحي ما بين ستة وعشرين الي اثنان وأربعين كاتباً. ومن الاحاديث الدالة علي ذلك قول مُعَاوِيَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : كُنْتُ أَكْتُبُ بَيْنَ يَدَيِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم فَقَالَ : " يَا مُعَاوِيَةُ، أَلْقِ الدَّوَاةَ، وَحَرِّفِ الْقَلَمِ، وَانْصُبِ الْبَاءَ، وَفَرِّقِ السِّينَ، وَلا تُقَوِّرُ الْمِيمَ، وَحَسِّنِ اللَّهَ، وَمِدِّ الرَّحْمَنَ، وَجَوِّدِ الرَّحِيمَ ".و عَنْ أَنَسٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا غُلامٌ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلم يَبْكِي، فَقَالَ : مِمَّ بُكَاؤُكَ؟ قَالَ : ضَرَبَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه و سلم قُلْنَا : لِمَ ذَاكَ؟ قَالَ : مَدَدْتُ الْبَاءَ قَبْلَ السِّينِ " يَعْنِي فِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . أضافة الي أن النبي صلي الله عليه وسلم كان رجل دين ودولة وما يترتب علي ذلك من ارسال الرسائل الي الملوك والامراء واستقبال الردود وابرام المعاهدات وهو ما يستلزم معه ضرورة الالمام بالقراءة والكتابة ومن أدلة ذلك عن عبد الله بن الزبير ، رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استكتب عبد الله بن أرقم فكان يكتب عبد الله بن أرقم , وكان يجيب عنه الملوك , فبلغ من أمانته أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ، ثم يأمره أن يكتب ويختم ولا يقرأه - لأمانته عنده - ثم استكتب أيضا زيد بن ثابت فكان يكتب الوحي , ويكتب إلى الملوك أيضا , وكان إذا غاب عبد الله بن أرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب إلى بعض أمراء الأجناد والملوك , أو يكتب لإنسان كتابا يقطعه ، أمر جعفرا أن يكتب ، وقد كتب له عمر وعثمان وكان زيد والمغيرة ومعاوية وخالد بن سعيد بن العاص وغيرهم ممن قد سمي من العرب ".كما ورد في صلح الحديبية أن النبي صلي الله عليه وسلم قد مارس الكتابة بنفسه فعن البراء ، قال : لما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي قريش كتب بينهم كتابا : " هذا ما صالح عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم " فقالوا : لو علمنا أنك رسول الله لم نقاتلك فقال لعلي : " امحه " فأبى فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وكتب : " هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله " واشترطوا عليه أن يقيموا ثلاثا ولا يدخلوا مكة بسلاح إلا جلبان السلاح قال شعبة : قلت لأبي إسحاق : ما جلبان السلاح ؟ قال : السيف بقرابه أو بما فيه ..ثمة مهمة أخري لا تقل أهمية وهي مسألة النسخ في القرآن بصوره المختلفة والتي كان يصاحبها أعادة ترتيب الايات والسور وهي مهمة اضطلع النبي صلي الله عليه وسلم بالأشراف الكامل عليها .. أما قوله تعالي : ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) فدخول كان علي المضارع تفيد نفي الفعل أو العادة وليس نفي القدرة أو المعرفة وبالتالي فالاية لا تجزم بأمية النبي ولكنها تعني أن النبي لم يكن يباشر كتابة الوحي بنفسه وهذا أمر منطقي اذا وضعناه جنبا الي جنب مع كيفية نزول الوحي علي النبي فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما أقول . والصورة التي يكون عليها النبي حينها كما وصفها أحمد بن حنبل – ( كان النبي يتوجع ويعض على شفتيه ويغلق عينيه ، وفي بعض الأوقات كان يهدر مثل الجمل) لذا فأفتراض تدوين النبي للايات بنفسه وهو علي هذه الحالة تبدو مستحيلة والطبيعي هو اتخاذه عدد من كتبة الوحي ..
كان النبي صلي الله عليه وسلم يحض علي العلم فعن أبي هريره رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة) أخرجه مسلم ولذلك لم يكن من المستغرب أن يكون من صور فداء أسري بدر هو تعليم أولاد المسلمين الكتابة .كما كان النبي صلي الله عليه وسلم يبعث ما نسميه اليوم بعوث علمية لتعليم الناس القران وصحيح الدين ومنها بعثة بئر معونة والتي استشهد فيها سبعون صحابيا من قراء القران الكريم كانت مهمتهم تعليم أهل نجد ليقتلوا غيلة وخيانة فضلا علي حرص النبي علي تعليم الصحابة للغات وأمره لزيد بن ثابت بتعلم لغة اليهود ليتسني مكاتباتهم ..كما يشير التراث الصيني الي صلة ما ربطت النبي بالإمبراطور الصيني حيث يقول صاحب كتاب (هوي هوي يوان لاي)- إن الإسلام قد وصل إلى الصين في عام 628م (توفي النبي عام 632 م)، وكان السبب في ذلك أن الإمبراطور جنغ قوان رأى في منامه أن شيخاً معمَّماً يدفع عنه وحشاً مفترساً غريب الشكل، وقد هاجمه ولم يجد مفراً منه، فعندما أصبح. التقى وزراءه، وسألهم عن تعبير الرؤيا، فقال قائل منهم: إن الشيخ المعمّم هو العرب؛ فلديهم القوة والبسطة، والوحش المفترس الغريب الشكل الذي هاجم الإمبراطور هو عنصر عدائيّ أو شخص ثائر في البلاد، فلا يمكن قمعه إلا بقوّة المسلمين، فبعث الإمبراطور سفيراً إلى بلاد العرب، ملتمساً من ملكهم أن يرسل عدة فرق من الجيوش إلى الصين، فبودل ثلاثة آلاف من جنود المسلمين بثلاثة آلاف من جنود الصين، فكان هؤلاء الجنود هم آباء المسلمين في الصين .قد تبدو هذه القصة بها قدر واضح من الأسطورية الا أنّها لا تخلو من حقيقة أن اتصال ما كان بين النبي والصين جعله يذكر الصين في حثه على طلب العلم...
---------
د.محمد فتحي عبد العال
كاتب وباحث مصري