قلت (وأعتذر عن الربط بين الكلام دون فقرات، لأنها مأخوذة من القص واللصق ولم أجد الوقت لإعادة توزيعها):
لو كان الأمر مُنْته منه، على ما يقول أبوك -رحمه الله- لكانت الدنيا بسلام. ولكن لأن الأديان هي سياسة، ولكن سياسة من نوع ما يَهدي الخالق عباده الله اليه ويضل آخرين عنه، فيكون الصراع والاختلاف طبيعة، لامتحان البشر على الخير والشر والجزاء والعقاب. وشأن الدول حتى الاكثر علمانية أو إلحادية، أن تمارس في أنظمتها تقليد الخالق في مخلوقاته. ولذلك قيل من قديم إن الملك خليفة الله في الأرض، على معنى التشبيه أو على المعنى الحقيقي، لأن مبدأ إدماج الدين في الدستور لتضمينه في سلطات الدولة ورئيسها عليها، هي من مقومات الدول الحديثة، التي يشكل الإسلام فيها مشكلة للغرب المتغول، لأسباب مدنية واقتصادية وحتى دينية، على مقدرات هذا العالم، الذي كانت دوله أو دويلاته تحت استعمارها بعد أن طال حكمه ثمانية قرون في الاندلس، وسُمّي بسببه البحر المتوسط ببحر العرب. ولذلك كانت تلك الدول الصليبية قديماً تضع في اعتبارها في دساتير هذه الدول العربية والاسلامية أن يمسك حكامها بمخنق الاسلام والمسلمين فيها حتى لا يخرجوا من سلطتهم وإن تكن جائرة او دكتاتورية عمياء، ما دامت في تبعية لهم وتخدم مصالحهم. وهذا شأن التصارع بين الأمم والدول والحكام من قديم الزمان. وإذا كان أراد والدك أن يطبقه حسب ثقافته السطحية في الاسلام وتاريخه السياسي وفتوحاته وحضارته، فذلك شأنه ولا أعتقد أنه من موقعه يمكن أن يُقْسِر الناس على فهم للاسلام على تأويل يأباه على غيره ويسمح به لنفسه، ليجعلهم في آخر المطاف علكة بين فم الأمم التي تملك اليوم الفيتو وتملك الضغط والمقاطعة واحتكار السلاح النووي وما ذلك من عترسيات الرئيس ترامب أو نابليون الجديد في فرنسا، الذين هم وغيرهم يتهافتون على الشقيقة ليبيا مثلاً لإقناع الناس بأنهم يعاملون الأفارقة معاملة الرق الذي يتهمون الاسلام به ولا يتهمون انفسهم به حين كانوا يستعمرون العالم ويستفرغونه من شعوبه وأقوامه في أمريكا والهند وغيرهم. ولا عجب أن كان والدك، كما تذكر، يمزق ما يكتبه لكي لا يبقى حجة على تفكيره في قضايا يعرف، كسياسي، أنه يمكن أن يعيد الناس تقديرهم له باعتباره مسؤولا على أمانة حكمهم في دولة عربية إسلامية، ضاربة الجذور في عقيدتها ولغتها العربية وانتمائها لحضارات شهدت أكثر من أربعة أو خمسة خلافات أو امبراطوريات- إذا أردت اللفظة الأجنبية - ثم يظهر من خلال ورقاته بخطه، أنه يُعرّفهم بالجوامع ومعنى المساجد ومعنى علي ومعاوية أو غيرهما من الخلفاء، فيكتشفون أنه كان يحكهم بإسلامه الرقيق لا بإسلامهم. فانظر لنفسك ما اختطفت من ورقات أبيك لتظهره على غير حقيقته كما كان يريد أن تعرفها الناس به. ولو رأيت أن سدنة الاستعمار الفرنسي في برلماناتهم كانوا يلقبونه بالرجل الوفي للمعمرين الفرنسيين في تونس أكثر من وفائه لمواطنيه من الأهالي المساكين، الذين كان يريد أن يحط عنهم الضرائب ويُثقل منها على غيرهم، لأنهم أي "أصدقاؤه" المعمرون هم في تونس الأكثر انتاجا واستثماراً وتوليداً للثروة، إنصافاً لهم لأن الأهالي باقون في تخلفهم وكسلهم وضلالهم يعمهون. وهذا لا يمنع من التقدير لدوره الوطني بزعامة المرحوم بورقيبة او الاقتصادي في الدولة الوطنية لعقود ثم الوزير الأول الذي نهض بالاقتصاد التونسي نهضة لم يعرفها قبل ولا بعد. وربما ذلك وفاء ومعاونة من أصدقائه الكثر في فرنسا لدوره في قطع تونس عن الحنين الى ماضيها الذي كان يتحدث عنه في ورقاته المحفوظ بعضها لديك، فلم يربط مع ليبيا ولا مع مصر ولا مع الجزائر لأن السياسات النيو-استعمارية والامبرالية كانت تريد شد تونس اليها بالقروض والمساعدات والتعاون مع الرجالات الذين تصطفيهم للحكم لحمل كامل شمالي افريقيا بدوله وحكوماته نحو ما كان مقدراً له، منذ نهايات الحرب العالمية الثانية، أن يجمعها تحت مسمى الاتحاد الفرنسي. والذي كان فلاسفة النظام الذين وضعوه يفخرون بأنهم سيحترمون ضمنه ما يمسونه كذلك بالاسلام الفرنسي، باعتبار امبراطوريتهم الجديدة في إفريقيا وما وراء البحار عموماً تضم تحت جناحها أغلبية إسلامية كبرى لم تجتمع لدولة أوروبية مثلها، وتقر قوانينها لهم بحرية عقيدتهم والاحتكام الى شريعتهم واحترام لغتهم وثقافتهم كجزء من المكون الفرنسي الحضاري، الموعود له خلافةُ الامبراطورية الرومانية على الممالك اللاتينية في السابق وما هو أكثر منها فيما وراء جنوب الصحراء. ولو كان حيا لرأي كيف أن الصراع باق بيننا وبين مستعمري الأمس لأنهم لم يكفوا عن محاصرتنا بالعولمة وبصندوق النقد الدولي، ولعله يعيد تفكيره في كل القضايا التي كان يطرحها كمفكر وليس كسياسي، في ورقاته الممزقة، حتى لا تبقى حبيسة نفسه، ويعلم أن كثيرا مما اصطنعه هذا الصراع من مصطلحات جديدة لا تختلف في جوهرها عن مصطلحات الماضي التي تطوي كثيرا من النوايا السيئة والمبيته بين الخصوم والدول لأن معادلة المادة والقيم صعبة على أمم منفلتة عن إردات شعوبها الحقيقية وإن تظاهرت بالديمقراطية وحقوق الإنسان وما الى ذلك من شعارات، ودأبها التهديد والارهاب للسيطرة على الآخر وتصريفه لخدمتها أو الإدالة به من على وجه الأرض. وهذا ليس ببعيد عن فحوى كثير من تصريحات ترامب وإن كان أكثر صراحة وانكشافا لمراميه الاستعمارية من غيره. وعبقرية الإسلام تكمن حقيقة في إعادة الاعتبار للقيم والأخلاق وحرمة النفس البشرية ودفع الظلم بكل الوسائل، إلا ما نهت عنه الشريعة أو قضت به الأعراف. وقلما ما التزمت كثير من الدول الكبرى عندما انخرطت في مقاومة الارهاب عن غير وعي بمآلاته فأخفقت وتخفق وسترى أي منقلب ينقلبون.