فرنسا تبقى فرنسا أحببنا أم كرهنا، فرنسا بفكرها الاستعماري القديم و بشراهتها للثروات الإفريقية لم تتغير منذ عقود و لذلك فهي تخسر مواقعها الثابتة في كثير من الدول الإفريقية لصالح إيران و الصين و اليابان و اندونيسيا و بالطبع إسرائيل، فرنسا اليوم مجرد دولة عادية ‘ لا تخبش لا تدبش ‘ و من يظنون أن فرنسا لا تزال على قوته الاستعمارية واهمون و يحرثون في البحر، لذلك يتساءل الكثيرون لماذا فرنسا يا رئيس الحكومة ؟ بل أنهم يتساءلون لماذا لا تكون الصين أو اليابان أو اندونيسيا أو روسيا هي الوجهة و لماذا هذا الإصرار العجيب على مواصلة العلاقة المتدنية بكل المقاييس مع الإدارة الأمريكية و تابعتها الفرنسية ، الجواب ببساطة أن هناك قيود تضبط تحرك الحكومة و تقيد القرار الحكومي و إلا لكان الاختيار مختلفا و مفيدا لان الصين مستعدة لتقديم خدماتها في كل المجالات الاقتصادية و العلمية بثمن التراب كما يقال و الصين مستعدة لتقديم القروض الميسرة و مساندة الاقتصاد التونسي بتنمية العلاقات التجارية و السياحية بين البلدين .
في مثل هذه المواقف و مثل هذه الوضعيات الصعبة تحتاج الدول إلى قيادات شجاعة بمقدورها اتخاذ القرارات الشجاعة المؤلمة و لكنها القرارات التي بإمكانها تغيير الوضعي الاقتصادي المنهك السوء إلى وضع معتدل قابل للعيش، و عندما ننظر إلى الأفق السياسي في تونس لا نجد مثل هذه الشخصيات المطلوبة و ما نشاهده هي بعض النسخ الغير مطابقة للأصل ، بطبيعة الحال نحن على قناعة بان الرئيس بورقيبة لو عايش مثل هذه الوضعية الاقتصادية السيئة لاختار التوجه إلى الصين دون الالتفات لحظة إلى وجوه الغضب الفرنسية الأمريكية و لكن ما كل من تنجبه أمه هو بورقيبة بحيث سنبقى نترحم على الماضي و على حنكة هذا الرجل الخارق للعادة الذي حير العالم و فرض عليه الاحترام رغم انه ليس نبيا في أهله، المثير اليوم أن قانون المالية لم يرض أحدا من المتكالبين على الحكم و من المتهربين من أداء الواجب الضريبي أو من دعاة العدالة الاجتماعية المزيفين، أولهم الاتحاد الذي يشعر الشعب بكونه يستعد لإحراق تونس تماما كما فعلها الحبيب عاشور في السنوات الأخيرة من حكم الزعيم بورقيبة .
لا ندرى لماذا تتحاور الحكومة مع هؤلاء اللئام في الاتحاد و في نقابة المحامين و بقية المعارضين لقانون المالية، هل أن الحوار مع هؤلاء يجدي نفعا أم أن هناك تحت الطاولة ما هو مخفي و لا يعلمه المتابعون، هل أن الحكومة تلعب لعبة لا نفهما و هل أن سفر رئيس الحكومة إلى فرنسا هو للبحث عن كيفية الخروج من هذا المأزق بعد أن تمسك الاتحاد و كلابه الضالة بمواقفهم الغير بريئة التي تصب الزيت على النار بغية إحراق البلد و بث الفوضى و الانقلاب على الحكم، لماذا تصمت الأحزاب المتآلفة التي كونت حكومة الوحدة الوطنية المغشوشة على خروج الاتحاد عن المألوف و تهديده بإحراق البلاد بعد أن أنهكت طلبات نقاباته المشبوهة و بالذات نقابات التعليم المندسة ميزانية الدولة في زيادات خيالية بلا مبرر ، من يدفع يوسف الشاهد إلى الاستقالة في هذه الفترة بالذات، لماذا يصمت رئيس الدولة على خروقات الاتحاد و أزلامه الفاسدين و لماذا يصمت مجلس نواب الشعب على كل ما يحدث على الساحة السياسية من إنهاك للبلد و السماح للإرهاب بان يجد مواقع جديدة في ظل حالة أمنية غير مستقرة ...أسئلة نطرحها لنفهم .