لنتفق أولا أن هناك قانون للصحافة و هو المرسوم 115 و 116 و هو الذي ينظم العلاقة بين الخبر و المتلقي بمعنى أن الجريدة حرة في نقل الخبر و المتلقي حر في تصديقه أو لا تصديقه ، المرسوم أيضا يطالب الجريدة باحترام نواميس و ضوابط المهنة بمعنى أن يتم صياغة المقال و الخبر صياغة مهنية بعيدة عن الشوائب بما فيها من ثلب أو تلفيق أو رغبة في بث خطاب الكراهية و التحريض على العنف إلى غير ذلك من الثوابت المهنية المعلنة ، و يأتي السؤال ، هل يمكن اعتبار إعداد مقال حول شبهة صفقة سلاح فاسدة مدعم ببعض الأدلة و القرائن المتضافرة تعديا على ‘الذات الملكية العسكرية ‘ و هل من واجب الصحفي أن يلتزم الصمت حيال شبهة فساد في المؤسسة العسكرية و هل يقلل هذا المقال من هيبة هذه المؤسسة القوية التي تواجه الإرهاب ، طبعا الجواب بالنفي ، و إحالة مدير التحرير على القضاء العسكري هو إهانة للإعلام و لحرية التعبير و حق المواطن في المعلومة و هي حقوق دستورية تتفوق على هيبة المؤسسة العسكرية بأشواط كاملة .
لقد قيل الكثير حول هذه الصحيفة و طالتها سهام مسمومة متنوعة و لعل إحالة رئيس التحرير على القضاء العسكري هو ‘باكورة’ الضغط الرئاسي و ضغط الرباعي المتمثل في السادة عبد الستار بن موسى و شوقي الطبيب و نقيب الصحفيين ناجى البغورى إضافة إلى رئيس جمعية مديري الصحف الطيب الزهار الذي وصف الصحيفة في بيان شهير بصحيفة المجارى و هو وصف حقير لا يمكن أن يصدر عن مثل هذه الشخصيات المفترض أن تكون مثقفة و مقتصدة في عبارات القدح و الثلب و الضرب تحت الحزام ، أيضا يجب التنويه بأنه بصرف النظر عن السيد العميد عبد الستار بن موسى فان الصحيفة قد تعرضت إلى ملفات رشوة و فساد و خيانة أمانة ضد بقية الموقعين على هذا البيان الهابط ليبرز السؤال لماذا لم يتجه هؤلاء إلى القضاء بدل رئاسة الحكومة في عهد السيد الحبيب الصيد و رئاسة الدولة ، فأين خطاب ‘ترسيخ الديمقراطية’ أو خطاب ‘ حرية الإعلام و التعبير ‘ أو خطاب ‘ تفعيل المؤسسات الرقابية و مقاومة الفساد ‘ الذي يقدمه هؤلاء يوميا للعموم ، و هل أن هؤلاء على رأسهم ريشة كما يقال حتى لا يتم إخضاعهم للمحاسبة و التشهير و النقد و كشف العورات .
لقد قلنا دائما أن الصحافة المشاغبة و غير المحايدة و التي عليها شبهات ميول لهذه الجهة أو تلك هي مظهر صحي في عالم الصحافة أحببنا أم كرهنا ، و الأنظمة الغربية فيها من الصحف الخارجة عن الصف الكثير غير أنها تتعامل معها بالرد المهني القائم على مواجهة المقالات المغرضة أو الخاطئة بالأدلة و البراهين ، لذلك فان إحالة رئيس التحرير و إيداعه السجن من طرف القضاء العسكري يزيد في صورة الحريات الصحفية قتامة أكثر مما هي عليه و يوصل رسالة للمتابعين بأن المؤسسة العسكرية تحاول بكل الطرق إخفاء الحقيقة بما يترك مساحة كبيرة للإشاعات و نصب الكمائن السياسية بين الأحزاب و المتراهنين على فشل هذه المؤسسة في مقاومة الإرهاب التكفيري ، غير أنه من المثير أن نلاحظ اليوم بغضب و استنكار صمت دكاكين حقوق الإنسان و المدافعين عن حرية التعبير و عن هيبة الدولة سواء في ما يتعلق بهذه الحادثة أو بحادثة الاعتداء على معتمد السيجومى و هو ما يؤكد مرة أخرى وجود معايير و مكاييل مختلفة لدى هذه الألسنة المشبوهة التي طالما تحدث البعض عن تبعيتها للسفارات الأجنبية و تنفيذيها لأجندات تخريب للسلم الاجتماعية في البلدان العربية .
لقد جربت تونس سياسة تكميم الأفواه و حصدنا ما يحصل اليوم من إرهاب و قتل على الهوية و تخريب و اعتداء على الدين و المقدسات باسم نصرة الإسلام و جربنا الاعتقال و التعذيب و نحصد اليوم أعدادا كثيرة من الناقمين و الحاقدين ، فالاعتقالات لا تزيد إلا من ارتفاع منسوب الخوف و الإحباط و صحافة محبطة لا يعول عليها ، الممارسات التي تحدث اليوم قبيحة و ذميمة بكل المعايير و مكافحة الفساد لا يكون بإلقاء المشهرين بالفساد في السجون ، هذا اليوم من أيام الحزن في تاريخ الديمقراطية التونسية الناشئة لان ‘بناء’ صحيفة ليس أمرا سهلا و نسفها ليس أمرا مقبولا ، لذلك نشعر بالإحباط لكثرة ما سقطت فيه المؤسسة القضائية المدنية و العسكرية من أخطاء سواء في معالجتها لملفات الشهداء و الجرحى أو ملفات التحقيق و الإسراع بمحاكمة الإرهابيين ، نشعر بطعنة و بخيانة للثورة من هؤلاء المؤتمنين عليها و عندما يسقط القضاء كما هو حاصل منذ فترة فعلينا المسارعة بتقبل العزاء في هذه الديمقراطية الناشئة...عليه العوض و منه العوض .