الدولة مصطلح فاقد للمعنى تردده المعارضة و الموالاة، الموالاة ترى الدولة بمنظار من يحمى مصالحها الانتهازية الضيقة، و الدولة في قاموسها شبكة علاقات مترابطة غير مرئية دائما تسهر و تنفذ مصالحها لتبقى يد الموالاة دائما في السلطة و يد البقية هي السفلى، المعارضة ترى في الدولة البقرة الحلوب التي يجب التقرب منها مهما كلف ذلك من ضرب لمصالح الشعب و بيع للضمائر، فلا الموالاة تخدم الشعب و لا المعارضة ستنجح يوما في نيل رضا البقرة الحلوب، الدولة عفاريت و تماسيح، حيوانات مفترسة لا تعرف العواطف و لا المبادئ، الدولة هي من صنعت الاحتكار و الفساد، هي تحتكر الأفكار و تحتكر الآمال المعلقة و تحتكر الأرض و السماء حتى أنه لا يمكنك المغادرة برا أو بحرا أو فضاء إلا بعد تقديم ملفات و انتظار قرارات و موافقات و تقديم رشاوى و حوافز لبعض موظفي الفساد الذي وظفتهم الدولة الفاسدة لنشر الفساد على أكثر نطاق واسع، هذا هو الواقع بكل مرارته و قسوته، هذه هي السجون المفتوحة التي تعيش فيها ملايين الشعوب العربية .
الدولة تملك سلطة القانون و تملك المؤسسات و تملك سلطة الدولة و مؤسساتها التنفيذية، لكن هذه الدولة هي من تسخر كل هذه الطاقات ضد المواطن لتطارد الباعة المتجولين و تقمع الحريات و تستنزف أموال الشعب بالضرائب المجحفة، الدولة العربية لها مفاهيم خاصة في تطبيق القانون و في زجر المواطن و هي من تفرض عليه تلفزيون الدولة بعلة تثقيفه و إيقاد شعلة المواطنة فيه، و هي من تفرض عليه الحزب الواحد و الرئيس الوحيد و هي من تراقب سكناته و تحركاته و هي من تقدر أنه مواطن صالح أم معارض طالح يستحق السجون و النفي وراء الشمس، في الدول العربية تحتاج إلى إذن مسبق لكتابة القصائد و إذن مسبق لتناول مواضيع القصائد لان من مهام البوليس السياسي استباق ‘ الجريمة’ و قصائد الشعر بإمكانها أن تتحول إلى جريمة مكتملة القصد و الأركان، الدولة العربية عقد إذعان لا يحتمل الفسخ تحت أي ظرف لأنه عقد لا ينفذه إلا المواطن رغم كونه لم يمضه و لم يكن طرفا راغبا فيه، هكذا تسير الدولة و هكذا يعيش المواطن غريبا في هذه الدولة .
من الممكن أن ينظر البعض لهذه الدولة بعين الرضا لأنها سبب ثرائه الفاحش غير المشروع لكن الأغلبية ترى في الدولة العربية نبتة سامة تقتل الإبداع و الخلق و حق المواطنة في كل عناوينه، المواطن دائما على خطأ و الدولة دائما على صواب، فلا صوت يعلو على صوت الدولة العربية لأنها الجغرافيا التي تحكمها إرادة السلطان بكل ما يعنيه السلطان في الدول العربية من قداسة و تأليه و تقدير، فهناك من يعمل صباحا مساء لنظم قوافي البيعة و مقالات المديح مشيرا إلى معجزات السلطان و قدراته الخارقة لأنه خليفة الرسول و ممثل السماء في الأرض كل ذلك حتى لا ترفع رؤوس العبيد في وجه الأسياد و حتى يقنع العبيد بأنه لا تعقيب على حكم السلطان في دولة السلطان، لذلك نشاهد كيف تنحى قامات الرجال أمام قامات الأسياد و كيف يجهد السلطان لطلب المتنطعين إلى بيت الطاعة بكل وسائل التنفيذ، بالنهاية الدولة هي ملك مسجل في الشهر العقاري لفائدة عائلة السلطان و كل من نراهم هائمون هم عبيد السلطان و سيبقى الحال على ما هو عليه و على المتضرر الالتجاء إلى غضب الحليم ليكسر يوما سلاسل هذا السجن .