الجميع في هذا السياق ‘يدز ‘ في البيدق كما يقال بلهجتنا العامية ، طبعا ، هناك فساد عام يكتسح كل المرافق و كل الأحزاب و كل ‘دكاكين’ حقوق الإنسان المشبوهة و هناك مال فاسد يمول ‘ نشاط’ الكتاتيب و روضات الأطفال و كتاب تصفية الحسابات و تبييض الإرهاب و الدعوة للتطبيع ، تونس تحتل مكانة مهمة في ترتيب الدول الفاسدة ، و هي تأتى طبعا و كما كان منتظرا في مقدمة الدول التي كشفت وثائق سويسليكس الشهيرة حول التهرب الضريبي و الودائع المالية المشبوهة ببنك ه.س.ب .س (H.S.B.C ) أن هناك رجال أعمال عليهم شبهات فساد ، أيضا هذا مؤكد بوثائق باناما مؤخرا و نشر في عديد الصحف و النشريات التونسية ، الفساد ‘مظهر’ عام في تونس و ينخر كل مؤسسات الدولة ، المشهرون بالفساد هم جزء من المشكلة و جزء من الذين نهبوا المال العام ، فمحمد عبو المعترض مثلا كان جزءا من منظومة الفساد التي حكمت البلاد طيلة ثلاثة سنوات و نهبت المال العام تحت عناوين منافقة كثيرة و السيد محمد عبو طرح نفسه طويلا عن حسن نية أو عن سوء نية ك’ممثل’ لهؤلاء الذين سيدافعون عن هذا المواطن المسحوق عندما يصلون للسلطة ، سمعنا منه و من زوجته المصون كلاما رائقا كثيرا و عند الحساب راوغ الرجل الجميع و هرب من ميدان المعركة جبانا خائفا مرتعدا حتى لا تطاله يد الاغتيال لان التعرض للفاسدين ليس بالأمر الهين و إطلاق الشعارات سهل لكن تطبيقها على أرض الواقع هو المستحيل أحيانا.
في غرة ماى 1993 وجد الوزير الأول الفرنسي بيار بيريقفوا منتحرا في إحدى الغابات الفرنسية ، بصرف النظر عن كون الرجل قد انتحر أو تم اغتياله فمن الثابت أن الأسباب تعود إلى ما جاء بخطابه العاصفة عند بداية تكليفه و الذي وعد فيه نواب الشعب بالقضاء على الفساد و محاسبة الفاسدين ، و في قراءة لكل ما كتب و نشر عن وفاة هذا الرجل و ما تعرض إليه من مؤامرات و دسائس لإسكاته من طرف رئيس الجمهورية فرنسوا ميتران نفسه يتبين أنه قد ‘ تمكن’ من الوثائق اللازمة التي تدين الفاسدين بالاسم و الجرم المشهود لكنهم ‘ تمكنوا’ منه في النهاية بتلويث سمعته ثم بدفعه للانتحار أو اغتياله كما تذهب إليه عديد الروايات ، و عندما يسمع المرء برئيس الحكومة المكلف السيد الشاهد يضع في سلم أولوياته مكافحة الفساد فلا بد أنه سيصاب بنوبة هستيرية من الضحك ليقول في نهاية الأمر ‘ كان غيرك أشطر ‘ .على الطريقة البطيئة سنعود إلى حكومة السيد حمادي الجبالى و إلى كل الحكومات التي تلتها لنكتشف في نهاية الأمر أن رؤساء الحكومات المتعاقبة بعد هذه الثورة المشبوهة قد جاؤوا للحكم متعهدين بمكافحة الفساد ، السيد مرشد حركة النهضة راشد الغنوشى كان يتحدث من منفاه البريطاني الدافئ عن الفساد و الفاسدين في حكومة بن على ، السيد نجيب الشابى كانت جريدته تتحدث عن الفساد ، السيد محمد المرزوقي كان يتحدث عن الفساد ، كل هؤلاء ‘ المعارضين’ بمن فيهم محمد عبو و زوجته كانوا يصنعون من محاربة الفساد و التشهير بالفساد في تونس حصان طروادة يخفون وراءهم كميات هائلة من النفاق و الانتهازية السياسية القذرة ، بالنهاية كلهم وصلوا للحكم و أخذوا ‘فرصتهم’ فلماذا تخلوا عن شعاراتهم المنافقة و لماذا لم يحاسبوا الفاسدين و لماذا رفضوا علنا ‘استرجاع’ رأس الفساد من السعودية ، من بقى ليحاسب الفاسدين إذن ، جوهر بن مبارك ، فيصل التبينى ، الهاشمي الحامدى ، جماعة حمة الهمامى ، شوقي الطبيب ، سهام بن سدرين ، لجنة مجلس النواب لتقصى الحقائق ؟ .
في شهر فيفرى 2015 فتح القطب القضائي و المالي تحقيقا حول الأموال المهربة التي كشفتها فضيحة البنك السويسري المذكور ، في 16 ماى 2016 خصص مجلس الوزراء جلسته للنظر ...في مشروع قانون إحداث لجنة لاسترجاع الأموال الموجودة بالخارج و المكتسبة بطريقة غير مشروعة و ذلك في سياق ‘ الأنشطة الحكومية الرامية لمكافحة الفساد و الحفاظ على الأموال العمومية و استكمال مسار الانتقال الديمقراطي و تحصين الاقتصاد الوطني إزاء مظاهر التهريب و الاستغلال الغير مشروع للسلطة ‘ ، في 30 جوان 2016 أحدث مجلس النواب لجنة للتحقيق حول وثائق بنما سارعت النيابة العمومية في الطعن في قانونيتها باعتبارها الجهة القضائية الوحيدة المخولة بتتبع مثل هذه القضايا ، هذه مجرد قشور لا تغنى و لا تسمن جوع لان الجميع يعلمون اليوم أنه لا أحد قادر على مواجهة الفساد و من يمد يده في عش الدبابير سيلاقى مصير بيار بيروقفوا .