يتحدث الشيخ عن الديمقراطية و يعيد الحديث بنبرة زهو واضحة، لكنه يتجاهل عمدا أن من أدبيات الديمقراطية هو التداول السلس الشفاف على الحكم في أي حزب أو مؤسسة تخضع لرأى الأغلبية، فمن المؤكد بعد ثورات الربيع العربي و رغم هناتها أو سوء مآلها كما يحدث في ليبيا مثلا أنه لم يعد بالإمكان إدارة الأحزاب بمنطق الأب الشرعي الفاتق الناطق و وفقا للشعارات و الخطب السابقة، و لا مناص من التغيير في طريقة الحكم و الخطاب و التداول على السلطة و إعادة الاعتبار لمفهوم أن الشعب هو من يريد و الشعب هو من يختار، لأنه يبقى دائما و في كل حين و محطة مصدر السلطات، و مصدر الشرعية، و مصدر الحكم الرشيد، و في الواقع فان حركة النهضة قد غيبت طيلة مشوارها المليء بالدماء و الانحرافات و المآسي و التقاطعات المثيرة للشبهات هذا المفهوم تماما بدعوى ‘ الهام المرشد’ الذي جعل وصيا على الإسلام و وصيا على مناهج الحركة و وصيا على كل تحرك مشبوه يراد منه التغيير أو إعادة تشكيل خارطة التحالفات التي بقيت دائما أسيرة رغبات الإخوان في مصر أو مشتقاتهم في تركيا و باكستان .
في الواقع، لا وجود للشورى أو لمفهوم الديمقراطية أو القبول بالرأي الآخر داخل حركة النهضة، فالمعروف عن الشيخ ضيقه الشديد بكل رأى مخالف الذي يراه ترفا فكريا لا أكثر و لا أقل بل من واجب الجماعة أن لا صوت يعلو على صوت المرشد، و كان من نتائج هذه المواقف الوصاية المتواصلة على الحركة و التفرد الدائم باتخاذ قرارات مصيرية لم تكن دائما محل إجماع أو قبول من بقية ‘ المؤسسين’، رغم ذلك ما يزال سيادة المرشد العام للحركة يدعى الشورى و الانضباط الديمقراطي من باب المغالطة للرأي العام الخارجي بعد أن يئس جماعة ‘ الداخل’ من كل تحول نحو الأحسن و من أي رجاء في أن تتحول الحركة إلى مضمار تتسابق فيه الآراء و تتقابل فيه التوجهات المؤدية إلى مراكمة التجارب بحلوها و مرها لتمحيصها و الانتفاع بزبدتها لتقوية مسار الحركة و دفع سفينتها المتأرجحة إلى الإمام، و لقد شهد المؤتمر الأخير تصاعد الصراعات بين الإخوة الأعداء و بان بالكاشف أن داخل حركة النهضة لا يختلف كثيرا عن داخل حزب التجمع و أن التباين الوحيد هو حول بعض الشعارات و طبعا في تمسك التجمع بالدولة المدنية بكل عوراتها و محاسنها و تمسك النهضة بدولة الخلافة بما عليها من تحفظات و شكوك .
خرج سيادة المرشد العام بفتح عظيم بترشيحه لرئاسة الحركة و فوزه ب800 صوت مقابل بعض أصوات الترضية للمنافسين الكرتونيين المقابلين، و لقد كان منتظرا من البعض أن يصر الشيخ على رئاسة مدى الحياة أو يسخر ماكينة بعض رجاله المهمين النافذين داخل الحركة للمناداة بهذا الانتخاب تماما كما تم للزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في مؤتمر المنستير التاريخي، ما معنى هذا ؟ هذا يعنى طبعا أن وضع حركة النهضة قد أصبح بحاجة ماسة لإعادة البناء بعد أن تخلخل البنيان المرصوص لكن هذا السؤال يفتح طبعا على أسئلة مهمة أخرى من نوع لماذا أصر الشيخ على البقاء رغم أنف كثير من معارضيه ؟ ما هو مفهوم الديمقراطية لدى الشيخ ؟ مفهوم الانتخاب و التبادل على السلطة ؟ في الإجابة لا يمكن التهرب أو بالأحرى القطع مع الحقيقة القائلة بأن الشخصيات السياسية العربية في كل المواقع لا تقبل بالرحيل إلا تحت وابل الشتائم، فهل سيتحرك البعض لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه أم سيستغل الشيخ حنكته و دهائه السياسي ليصارع الأمواج المتلاطمة ؟ هل سيكون هذا المؤتمر هو مفتاح الحل لازمة النهضة أم مجرد مسكن سيشهد تصدعا عند أول امتحان من امتحانات السياسة بعد أن تحول الحزب إلى ‘وسخ السياسة’ معتزلا ملعب الدعوة الموصوف بالنظافة .