في بلادنا المعارضة تتذمر يوميا و على مدار الساعة من كل شيء و من لا شيء، فهي تلعن الحكومة و تلعن الاقتصاد و تلعن القوانين، المعارضة هنا تتحدث عن التطبيع و عن المقاومة بلغة الغائب، تنادى بالقضاء على البطالة كأن للحكومة عصا سحرية و كأنها لا تعلم أن الإدارة المشغلة تعانى من الطفرة و من المحسوبية و من التكركير الزائد، استمعوا إلى النائب ن الجبهة الشعبية المنجى الرحوى ينتقد قانون البنوك ناقلا أكذوبة قذرة بأن هذا القانون لا يحمى ودائع المواطنين و أن أموالهم معرضة للتلف في كل لحظة و في كل حين، بمعنى أنه على المودعين و المتعاملين مع البنوك أن يتركوا أموالهم أو يسترجعوا ما أودع منها لتركها تحت الوسائد و البلاطة كما يقول إخواننا في المشرق، فهل بعد هذا خيانة للوطن و هل أن ما ينطق به سعادة النائب هو مجرد تزوير للحقيقة و دعوة واضحة لضرب الاقتصاد و زرع الشلل و بث الإشاعات المغرضة .
ماذا قدمت الجبهة للوطن غير حملات التشكيك و ركوب السيارات الفاخرة و استعمال مصالح الدولة في غير محلها لحماية سيادة ‘ الناطق’ باسم الجبهة، و حتى في ملف الشهداء كيف تريد الجبهة أن تظهر الحقيقة و هي تقوم بتهييج الأجواء و بث خطاب الكراهية و التفرقة و التشويش الذهني محاولة فرض حالة من الانقسام بين حركة النهضة و بقية أطياف المجتمع التونسي، فهل تريد الجبهة الشعبية أن يكون ملف الشهداء و ‘حقيقته’ المنتظرة الشعرة التي تقصم الاستقرار الهش في تونس و هل تسعى الجبهة إلى الحقيقة بمثل هذا الخطاب الداعي للكراهية، ثم لماذا لا تتفهم الجبهة أن للحكم أحكامه و اكراهاته و أن هناك من الدول من بقيت الحقيقة فيها مخفية سنوات طويلة دون أن تكشف و ترى النور لان كل الحقائق ليست دائمة مقبولة أو مطلوبة أو قادرة على تلطيف الأجواء السياسية و الشعبية، و تبقى حقيقة اغتيال الرئيس الأمريكي السابق جون كيندي المثال المعبر في هذا السياق .
لا يهم أن يكون للشيخ راشد الغنوشى وجهان و أن يكون منافقا او حربائيا أو زئبقيا لكن رغم اختلافنا بالطول و العرض مع الحركة و مع فكر الإخوان و مرجعياتهم و أساليبهم في الحكم و المعارضة و برامجهم و توجهاته فنحن لا نرى من بد إلا أن نعترف بان الشيخ قد ساهم كثيرا في تلطيف الأجواء السياسية و كان عامل استقرار و دعوة للحوار العقلاني في هذه الظروف المتشعبة، و من يراجع مواقف الشيخ بعد الثورة ينتهي إلى وجود تحولات عقلانية كبيرة تؤكد مرة أخرى أن السياسة في تعريفها هي فن الممكن و الحوار و القبول بالآخر و البراغماتية السياسية و أن لغة العنف و الاجتثاث و التكفير و الإقصاء لا تجدي نفعا، و رغم أن الشيخ يجد كثيرا من المعارضين و آخرهم السيد أبو يعرب المرزوقي فان الرجل يواصل سعيه للم الشمل و مساعدة الحكومة على تفادى كثيرا من المطبات المرعبة التي تراها أو لا تنتبه إليها من فرط ارتباكها أو عدم إدراكها لحقيقة الوضع، و لقد كان الشيخ متفهما إلى أن سقوط الإخوان في مصر هو بداية النهاية لمشروع الإخوان الذي ‘يسوقه’ حزب العدالة و التنمية التركي و الذي أثبت اليوم فشله المعلن مثلما تبرزه الانفجارات المتتالية في المدن التركية و حالة الغضب الشعبية العارمة و الفساد المستشري في الحكومة، عملية استشراف الحقيقة التونسية ليست صعبة، يكفى فقط أن تتعامل بفن الممكن و أن تبتعد قدر المستطاع عن خرافة أمي سيسى الشيوعية الزائفة و خرافة الأنموذج التركي العثماني الملوث بالدم السوري .