وفي هذا الصدد نلاحظ مثلا أن الخطاب النيوليبرالي العربي يفصح عن نظرة لا تخلو من انبهار وتقديس لليبرالية، فهي عنده ليست مجرد فكرة أو مذهب، بل هي "مطلق ثقافي" يعلو على كل المذاهب والرؤى، "مطلق" يستوعب بداخله كل خبرات الإنسان ومعارفه التي حصلها خلال تاريخه المديد، فكأن الليبرالية بذلك هي الخلاصة النهائية للتجربة الإنسانية، ومن ثم لا مجال – من وجهة نظرهم - لبحث مغاير عن أفق بديل يخرج عن سياقها، أو يغايرها في الرؤية إلى العالم وقيم انتظام العيش؛ فكل خير بلغته البشرية احتوته الليبرالية وزادت عليه! إنها التتويج النهائي لمسيرة الوعي والفعل البشريين!، وكثيرون من يرون أن الليبرالية عند أتباعها.. مطلق ثقافي.. أي أنها دين،
وثمة من يرى الكتاب – على عكس ما قررناه سابقا - أن النسبية الثقافية تتضاءل، وأن المطلق الثقافي في تزايد ونمو بسبب التقدم الهائل في سبل المواصلات والاتصالات الذي خلق نوعاً من التوحيد الجغرافي ( العولمة ) الذي يستدعى بدوره توحيداً في القيم والقوانين، وكمثال عملي فإن الناس اليوم وفي كل قطر من أقطار العالم يشعرون بأن للديمقراطية تطبيقاً عالمياً أي أنها قد أصبحت مطلقاً ثقافياً، وكذلك مبادئ حقوق الإنسان فهي مطلق ثقافي مشترك يتخطى كل فوارق العنصر والعقيدة والبنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على أساس من المساواة والحرية والتضامن بين بني الإنسان في عالم سقطت فيه كل الحواجز المادية والطبيعية التي كانت تفصل الإنسان عن أخيه الإنسان.
********
أنظر :
- محمد عاطف غيث : " قاموس علم الاجتماع "، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1979م، ص : 12،
www.aljazeera.net/home/.../9f6076d8-1c18-4294-b76a-e647114799e2
- محمود شعراني : " السودان:الأزمة الأخلاقية العالمية وإشارات الاستنارة في القرآن "، الخرطوم 3 سبتمبر 2004م،
المصدر : http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=6&msg=1108465425&rn=3
*******
أ.د/ أحمد بشير، جامعة حلوان، القاهرة،