لقد وقف الشاعر المرحوم ضد الظلم و ضد الجهل و ضد الإسلام المزيف و ضد الخونة أعداء الوطن الذين حكموا بالاستبداد حينا و باستعمال الدين حينا آخر، لا أحد من هذه الأنظمة السابقة كان يحب الشاعر و لا أحد من هذه الأنظمة الفاسدة كان الشاعر يحبها، فقط كان أولاد أحمد مهووسا بحب عذري صادق لهذا الوطن لكن كان هناك حمقى يعشقون المال و السلطة و الخلافة و الدين الزائف ، هؤلاء من أقاموا الجنازات للشاعر قبل وفاته و من رشوه بالدم كما يقال، من المفارقات أن النظام و الإخوان هم أعداء الصغير أولاد احمد ، تحالف الشيطانين كاره للشاعر لأنه كشف مستور نظام الاستبداد باسم الحزب الواحد و كشف مستور نظام الاستبداد باسم الدين، لا أحد في حركة النهضة رأى في الشاعر صورة المبدع الرافض للكهنوت و لا أحد من هؤلاء الإخوان الذين ركبوا حمار الثورة القصير رأى في أولاد أحمد الثائر الرافض لكل السائد من الخطاب الديني الفاسد و التحريض المذهبي المنكر، فقط أساءوا إليه و طعنوه في شرفه الشعري لأنه خالف طريقهم المظلم و مشروعهم البائس و خططهم الجهنمية الدموية .
هؤلاء الذين حضروا في المقبرة فيهم من لا يعرف الشعر و لم ينطقه يوما غى حياته خوفا من سلطة المرشد العام للإخوان، و فيهم من لا يحب هذا الوطن كما أحبه الفقير المرحوم الصغير أولاد احمد و فيهم من يقف مع الإرهاب و مع مشروع دولة الخلافة، و هؤلاء طالما نقبوا في أدبياتهم القذرة عن معرة أو نكسة أخلاقية ليهاجموا الراحل طمعا في إسكاته تماما كما أسكتوا صوت الشهيد شكري بلعيد و الحاج محمد البراهمى، أليس هؤلاء من أطلقوا على الزعيم شكري بلعيد أنه تبول على القرآن فإذا رياح فتنة الشيخ المجرم خالد العبد الله على قناة ‘ الناس’ تشيع هذه الشائعة الكاذبة ليصبح الرجل مشروعا للاستهداف و القتل من الجماعات التكفيرية الإرهابية التي ‘ حكمت’ المشهد السياسي طيلة 3 سنوات و نيف من حكم الإخوان الفاسد المدمر لكل القيم الإنسانية و الحضارية .
عجبي أن يتكلم الإخوان اليوم عن الديمقراطية و محاسنها و عن حرية التعبير كمقصد سعوا إليه طيلة سنوات ما تحت الأرض لا ندرى كيف، عجبي أن يمدح الإخوان الإعلام و الدستور و الانتخابات و حرية المرأة و حرية المعتقد و حرية الضمير مع أن الشيخ حسن البنا و الشيخ قطب رحمهما الله قد كفروا بهذه المسلمات الحضارية و كفرا من ‘يعتنقها ‘ في بلاد العرب، و عجبي أن يعجب الإخوان بالشعر و هم لا ينطقون إلا بلغة القتل و الويل و الثبور، عجبي أن يتحول هؤلاء من النقيض إلى النقيض في بضعة سنوات و فيهم من يعزو ذلك إلى ‘ المراجعات’ و ضرورة التغيير و التغير مع الواقع، عجبي أن يترحموا على الشاعر أولاد احمد و هم قد رفضوا الرحمة على مؤسس تونس الحديثة الرئيس المرحوم الحبيب بورقيبة، عجبي أن نسمع من ‘ الشيخ ‘ محمد الهنتاتى رفضه القاطع للترحم على بشر مثله ذهب لملاقاة مولاه، عجبي أن هؤلاء الإخوان لا يخرجون للتنديد بموقف مثل هذا و تجدهم فى جنازة الشاعر يتحدثون عن الدنيا الفانية و عن التسامح و بقية أجزاء الاسطوانة المشروخة المكررة .
لقد نرك الشاعر للناس إرثا مميزا من الشعر و من المشاعر و من الحب و لم يترك إرثا من الكراهية و لغة التكفير و الانقسام، كان صادقا في حبه لهذا الوطن حبا على مدار الساعة و ليس حب المناسبات كما هو في ذهن الإخوان و بعض تجار السياسة الآفلين، رحل الرجل دون أن نفيه حقه من التبجيل و التكريم و لن نصدق أغلب الذين رثوه و عاهدوه على الاستمرار في نفس نهج حب الوطن، لقد رأينا كيف تناسب الجبهة زعيمها الشهيد شكري بلعيد في مقبرة الزعماء و تلهت بالحروب البينية،لن تصدق هذه الحكومة الفاشلة و لا وزيرة ثقافتها المتلهية بالاجتماعات و القشور، لن نصدق هذا المجتمع المدني الذي يرفض الثقافة و يكره المبدعين، لن نصدق هذا السرك الزائف الحاضر في الجنازة و لن نصدق التلفزيون الرسمي في مرثيته الحزينة و لا هذه التمثيلية الرخيصة لهؤلاء المهتمين بالشأن العام ، فقط، عاش الشاعر راغبا في عنقود من العنب بعد وفاته زرعوا مزرعة عنب ، هذه حال الدولة البائسة مع المبدع و حال المبدع مع الدولة المفلسة .