بدأ الحديث منذ فترة عن الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، السؤال الذي يحير المتابعين كم نحتاج من سنوات العمر القليلة لنقبض على أول فاسد صغير، سؤال آخر محير أيضا، الفساد أنواع ، هيئة مكافحة الفساد ستكافح أي نوع، و تترك أي نوع، ثم هل هي قادرة على مكافحة كل أنواع الفساد، لان سرقة المال العام فساد، سوء استخدام السلطة فساد، الرشوة فساد، عدم محاسبة القضاء نفسه فساد، هناك ألف نوع للفساد غير الذي ابتكره العقل التونسي الخلاق من أشكال الفساد الأخرى التي لم يستطع العالم الوصول إليها حتى ألان، بالأمس طالعت خبر تلك المواطنة التي تنتظر تعيينها منذ عشر سنوات كاملة، هل سيتم توظيفها بعد التقاعد، و أين هذا المسئول الفاسد الذي تعامى على هذا الملف أكثر من 10 سنوات، هل فكر القانون في محاكمته .
وثائق بنما المسربة زادت في الطين بلة، تحرك مجلس النواب لإحداث لجنة متابعة الأموال و الملفات برئاسة ...حركة النهضة ...تصوروا ...حاميها حراميها على قول المثل المعروف، متى نفهم أن مجلس النواب هو مجرد مطعم تطبخ فيها كل الأكلات المسمومة، هؤلاء لا يمثلون الشعب، هؤلاء يمثلون على الشعب و يقبضون مرتباتهم الخيالية بمجرد نهاية الدور، رئيس مجلس النواب نائم في العسل، لو كان الزمن زمنا لكان السيد محمد الناصر ينعم بالراحة في جزر الكاريبي على نخب الأموال المنهوبة، المنظومة القديمة التي أنتجت الفساد طيلة أكثر من نصف قرن بعد الاستقلال لا يمكنها أن تبتكر العلاج الذي يقضى عليه، هذه بديهية منطقية لا تحتاج إلى دليل، المنظومة المبتكرة بعد الثورة أكثر فسادا و تطورا في ممارسة الفساد، الاتحاد يمارس ثقافة التشجيع على الفساد بمنظومة تعليم الدروس الخصوصية الذي هو مثال لمافيا نهب جيوب المواطنين بدون مبرر، هذا هو الاتحاد نفسه الذي يفخر بحائزة نوبل لنهب جيوب المواطنين الضعفاء .
من حولنا كل شيء فيه خلل، هناك خلل في الآداب العامة و في ممارسة حق المواطنة، شعب نصفه يقوم بالمظاهرات و النصف الآخر يسرق البنوك، المحلات التجارية، القباضة المالية، نفس هذا الشعب هو من ينادى بالشفافية و بالمحاسبة لكنه يقبل المسروق و يبيعه و يعود للمطالبة بالمحاسبة، شعب يرفض اقتطاع تذكرة حافلة أو أية وسيلة نقل عمومية و مع ذلك يطالب الحكومة بتوفير وسائل النقل منتقدا البطيء، شعب يمارس سرقة الامتحانات و يمر بالفوسكة و مع ذلك يتباهى، يقيم الليالي الملاح احتفالا بالنجاح المغشوش، التاجر يغش، الجزار يغش، الفحام يغش، كل ذلك و هم يصيحون و ينادون بالشفافية و بالصدق في القول و الإخلاص في العمل، بالأمس كان في التجمع و اليوم في النهضة و غدا في النداء و الله أعلم أين سيكون في زمن قادم، النهضة كفرت بورقيبة و كفرت به و اليوم تقيم الاحتفالات و تتقدم صفوف المحتفلين و المتغنين و المادحين، هذه هي السياسة يقولون، وحدها الجبهة الشعبية تغرد خارج السرب، خارج الوطن، خارج العالم، خارج الكوسموس، ياه، مع ذلك هناك من يتغنى أحب البلاد كما لم يحبها أحد، و هناك من يتغنى، خذوا المناصب، خذوا المكاسب، لكن خلوا الوطن، آه يا بلدي كم أنت عظيم، آه يا تونس كم أنت رائعة، آه يا شعبي كم أنت منافق .