بالأمس خرج علينا نفر يدعى شكيب درويش، كان نسيا منسيا و نكرة أخرى مثل هؤلاء النكرات الذين رمت بهم الثورة سامحها الله في الساحة الإعلامية، و لان هؤلاء النكرات الأقزام يشعرون بالنقص أمام كل الذين تقدموا صفوف الثورة و كل الذين زرعوا الخير في هذا الوطن عبر تاريخ تونس المليء بالعبر و السير و البطولات و الانكسارات فقد ركب هذا الرجل الغامض ركب هؤلاء الذين يقصفون تاريخ بورقيبة خاصة بعد هذه الثورة و صال و جال دون ذرة حياء أو موضوعية أو خجل من نبش تاريخ رجل أصبح من الماضي و لم يكن هناك من يدافع عنه من باب الرأي و الرأي الآخر على الأقل، فهؤلاء قدرهم الهابط أنهم لا يقدرون على الحاضر فيسيئون للماضي و لا يقدرون على الحقيقة فيستعملون التضليل و لا يقدرون على بورقيبة فيسوقون للناس أنهم ظلموا في عهده، و حين تساءل خائب الرجاء هذا لماذا تسامح المثقف الكبير السيد رجاء فرحات مع نفسه و مع دينه و مع خطأ الحبيب بورقيبة فهم المتابعون المعدن السوء لهذا ‘ الدرويش’ و إلى أي غاية دنيئة يريد لسانه المسموم أن يصل .
لم ينتظر المثقف المناضل السيد رجاء فرحات طويلا ليلقن هذا ‘ المثقف الدرويش’ درسا بليغا في السياسة و فن السياسة و ضرورات السياسة، و كان منتظرا أن يقف السيد رجاء فرحات هذا الموقف النبيل حتى يفهم من بعقله خور و صمم أن التاريخ لا يأخذ انتقاء و تزويرا و تحريفا بل آن التاريخ يقرأ برمته خيرا و شرا، سلبا و إيجابا، لذلك لا يمكن أن نقرأ تاريخ و سيرة الزعيم بورقيبة في معزل عن اللحظة التي عاش فيها أو ساس فيها البلاد، لا يمكن أن نفصل التاريخ عن الجغرافيا و عن الواقع الحينى الذي عايشه الرجل ، فالمتفرج فارس و الذين يقفون على الربوة من السهل عليهم إصدار الأحكام و تنويع الفتاوى، و حين يكذب هذا ‘ الدرويش ‘ كذبته القبيحة الكبرى بأن يزاوج بين الخيال اللفظي و الواقع التاريخي بالقول الهابط انه صحيح أن بورقيبة لم يسجل أي ملك خاص باسمه لكنه ‘سجل’ تونس كاملة باسمه في دفتر خانة للأملاك العقارية فالظاهر أن الهوس و الضغينة اليوسفية أو الوهابية أو المشرقية الصهيونية قد تغلبت على الموضوعية التاريخية و أصبح هذا الدرويش مجرد سفيه لا يعتد بقوله بين الأحياء .
يعلم التاريخ المنصف أن بورقيبة قد كان أكثر إسلاما و أكثر تسامحا و أكثر حرصا على الإسلام من هؤلاء المنافقين الذين تاجروا إلى اليوم بلا هوادة بالإسلام و لطخوه بالتكفير و الرجعية و الإرهاب، و يعلم التاريخ أن بورقيبة قد أنصف المرأة و أن هذا الإنصاف التاريخي هو من ألب عليه كل دعاة الانغلاق و الظلام من أحفاد الوهابية الزائفة و بعض التفاهات الفكرية التي طالما تأرجحت بين المال النفطي و السفارات الخليجية، و يعلم التاريخ أن بورقيبة هو رائد الإصلاح في تونس بعد الاستقلال و أن الاستعمار قد ترك بلدا معدما في كل المجالات فصار مضرب الأمثال في التعليم و في القابلية للتطور، و يعلم التاريخ أنه بحساب المدة الزمنية أن ما حققه بورقيبة لتونس من قفزة عملاقة لم يحققه المشارقة منذ أكثر من 80 سنة و هذا ما زاد في غيظهم أو عدائهم لبورقيبة، و لان لكل تطور أعداء و لكل إصلاح أعداء و لكل تطوير في المفاهيم التقليدية المقيتة أعداء فقد استل البعض سكاكين البؤس الجدلي من جرابهم المسمومة ليسقطوا كل التفاهات و الدجل و الافتراء على سيرة الرجل متناسين أن الأغلبية الشعبية مع بورقيبة و أن الذين صوتوا للنداء مثلا هم أبناء بورقيبة .
لقد كانت تونس و لا تزال رغم كيد الكائدين و نفاق المتزلفين الأفاقين البلد الوحيد في العالم العربي الذي يعتمد النظام الجمهوري قلبا و قالبا، في حين أن بقية الأقطار العربية قد راوحت بين الحكم الشمولي للملوك و الأمراء و بين الأنظمة العسكرية التي لم تقدم شيئا يذكر لشعوبها سوى الخطب العنترية التي أضاعت فلسطين و جاءت بالقوات الأجنبية إلى نفط الخليج ، و لقد كان بورقيبة زعيما يملك قدرة على فهم المستقبل و اختصار الطريق إليه و هذه خصلة من الخصال النادرة عند الزعماء العرب، و بورقيبة عالج العروشية و القبلية في حين لا تزال الدول الخليجية و بعض الدول العربية الأخرى مللا و نحلا متنافرة متصارعة إلى اليوم، و مع ذلك و رغم كل ذلك و أكثر فقد وهب البعض نفسها و نذرها للتصويب الجارح على بورقيبة من باب الكراهية السوداء و البغض الأحمق، و هذا ‘ الدرويش’ المريض بالحمى الوهابية اللقيطة سيبقى مريضا و لن يتعافى، فاللؤم مرض نفسي يصعب علاجه و لا عزاء لكل من مرضوا بهذا المرض .