ولا يكتفي السّرد بعرض المشاهد اللاواعية التي ينخرط فيها الفرد من دون أن يتساءل في ذهنه حول طبيعة هاته المعتقدات الاجتماعية، بل يسعى لتقليبها على أوجهها، ووضعها أمام المتلقّي للتفكير فيها. وهذا ينخرط في إطار ما يسمّى بالسّرد التمحيصي النّقدي. تحتفي المجموعة بتقاليد الحكي القصصي، وتسعى إلى التجديد من داخل القوالب المعروفة. لتصير الكتابة سجالا مفتوحا بين الانا والهو والآخر في شتى تجلياتها، ونبشا في حفريات الدواخل المتوجسة، المنقادة للمصائر المتراكبة والمتعالقة. تبدأ القصة مشخّصة، وحافرة مسارات متعددة ومختلفة، وواصفة للتفاصيل الدقيقة، خالصة إلى بصم لمسة الحكي الخاصة التي تقيّد سؤال الذاكرة والزمن والوجود والمصائر المفتوحة، ناهيك عن التقاط المشيرات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تشكل لمعات تمفصلية هيكلية في تكوين الوعي المجتمعي بغرض تفتيتها ومحاورتها ونقد الظواهر السلبية منها. إن الكتابة القصصية، بهذا المعنى، قراءة للواقع وإعادة تشكيله وفق سيرورة تمثلية مُرهّنة.
للإشارة، فهذه المجموعة تمثل المنجز القصصي الثالث لإبراهيم الحجري بعد "أبواب موصدة" الصادرة عام 1999، "استثناء" الصادرة سنة 2008. فضلا عن خمسة أعمال روائية، وعشرة أعمال بحثية ونقدية.