فالأتباع هم الذين يصنعون الطواغيت، وكما تقول مدرسة علم النفس السلوكي: كلما اظهر الاتباع المزيد من الخضوع، فأن ذلك يعزز مشاعر السيطرة لدى القادة. وفقط المجتمعات الخرساء هي التي تمنح الصوت لفم واحد فلا يتكلم إلا فرد واحد.
لكن حتى يتم التسليم بشرعية الرأي الآخر، فأن ثمة جهد يتوجب أن يبذل، فالذين يتشبثون بالأمر الواقع لا تحركهم فقط قناعاتهم به، بل، في كثير من الأحيان مصالحهم التي يرون أنها لا تتحقق إلا ببقاء هذا الواقع وديمومته. وهذا يفسر مشقة المهمة التي قام بها الانبياء في التغيير الاجتماعي لأنهم دعوا الى تغيير قضايا تمس أهم الأمور حيوية في حياة الناس تتطلب سحب امتيازات منهم.
لكن المشكلة الكبرى أن تنظيماتنا وقوانا الحزبية والسياسية لا تقبل بشرعية الرأي الآخر، رغم تشدقها بشعارات الدفاع عن الديموقراطية، ومن بين هذه القوى الحركات الإسلامية. ومع أن هذه ظاهرة تميز جميع القوى السياسية والفكرية العاملة في العالم العربي، إلا أن الحديث عن مظاهرها لدى الإسلاميين يكتسب أهمية خاصة، ليس لأنهم أكثر انغلاقاً من غيرهم في تقبل الرأي الآخر، فالجميع متساوون في قمع " الآخر " بغض النظر عن هويته، لكن لكون الحركات الإسلامية هي حاضنة القطاعات الجماهيرية الأوسع في فلسطين والعالم العربي، وبالتالي فأن قيادات الحركات الإسلامية يتوجب أن تكون الأكثر انفتاحاً على الرأي الآخر. من هنا تتجلى ضرورة التخلص من هذا المرض العضال.
فالبيئة التي تسمح بالرأي الآخر، هي حاضنة الإبداع، وعندما تتقلص القدرات الإبداعية تسقط حتى الأمبرطوريات العظيمة، فالاتحاد السوفياتي سقط بفعل "قصور الطاقة الإبداعية" أكثر من الهجوم الخارجي، مع أنه في قدرته تدمير الكون مرات.
وفي ظل بيئة الرأي الواحد يعجز المرء عن تمييز الأشياء مهما كانت بسيطة. يروي أبن خلدون في مقدمته أن وزيراً اعتقله سلطانه ومكث في السجن سنين ربى فيها ابنه، وفي في ذلك السجن كان يقاسمهما فيه فأر، فلما كبر الطفل و أدرك وعقل سأل عن مصدر اللحم الذي يتناوله في وجبات الطعام، فقال له أبوه هذا لحم الغنم فقال وما الغنم؟ فيصفها له أبوه بنعوتها فيقول: ياأبت تراها مثل الفأر!