كحال البعض في الحركات الإسلامية، لا يخفى الرجل كراهيته لبورقيبة و لحكم بورقيبة، هذا منطقي و مفهوم من هؤلاء الذين ينطلقون من قناعة راسخة لا تتغير بكونهم هم الإسلام و هم من يمثلون قيم و تعاليم الإسلام و هم الحقيقة و الآخرون على خطأ، و لان بورقيبة يمثل الوجه الأخر للتحضر و الوسطية و الاعتدال فقد تناوب الجماعة على سلخه و تشويهه طيلة أكثر من نصف قرن، المثير في فكر ‘الجماعة’ أنهم لم يخصصوا مثل هذه المساحة الزمنية و الفكرية لا لنقد الفكر الصهيوني و لا لنقد الاستعمار الفرنسي و لا لطرح أفكارهم حول كيفية مواجهة التمدد التنصيرى و لا كيفية مواجهة تغول الفكر الامبريالي و لا كيفية الخروج من الوضع الاقتصادي و لا كيفية الأخذ بناصية العلوم و بقيت ‘أفكارهم’ في هذا الاتجاه خارجة عن سياق الزمن إن لم نقل مجرد أفكار مغلفة بكثير من الزئبقية و كثير من الكلام الفضفاض، المعيب أيضا أن هؤلاء قد عاشوا في المهجر في ظل الثقافة الفرنسية و لم نسمع صوتا ناقدا لهذه الثقافة و لا رافضا لهذه الإقامة و لا مصوبا على الحقبة الاستعمارية.
لا يتحدث هؤلاء عن بورقيبة كأحد أصحاب الفضل في استقلال تونس، و لا أحد يتحدث عن أن الاستعمار الفرنسي هو سبب تخلف تونس و بطيء نموها، فالتاريخ توقف عداده عند بورقيبة و انتهى عند بورقيبة و حتى فترة بن على هي مجرد فاصل في التاريخ كما يزعم هؤلاء، يزعم هؤلاء أن تونس لا تزال أرضا محتلة و أن هذا الاحتلال المفترض يفترض نشأة مقاومة مسلحة، تلاحظون أنهم ينطلقون دائما من فرضية مشوبة بكثير من التضليل لفرض حقيقة نهائية، و هم لا يؤمنون بالرأي المخالف و لا ينتظرون منا هذا الرأي فنحن في نظرهم مشروع قتل على الهوية و مستعمرون بلا قبعة و موالون لفرنسا أحببنا أم كرهنا و جاز مقاومتنا المقاومة المسلحة، بل أن السيد فوزي يستغرب كيف لم تنشأ هذه الحركة المسلحة ضد هذا ‘ الاستعمار’ المفترض و هو بذلك يسعى إلى تضليل المتابع لأنه يعلم علم اليقين أن ‘ الجماعة’ إياهم قد رفعوا السلاح و رفعوا شعار مواجهة النظام ( الاستعمار) و قسموا هذا الشعب إلى مسلمين و طواغيت منذ نشأة حركة النهضة و جناحها العسكري المعروف .
لم يكن المناضل لزهر الشرايطى جزءا من فكر الإخوان الذين قال عنهم مرشدهم أنه ليسوا إخوانا و لا مسلمين ( الشيخ حسن البنا ذات نفسه )، بل كان مناضلا تونسيا لحما و دما رفض بعض خيارات الزعيم بورقيبة و لم يكن يتزعم المقاومة المسلحة كما يريد و كما فعل الإخوان بل كان رافضا لفكر المجاهد الأكبر وهذا من حقه طبعا كمواطن و كمناضل، و لذلك فحشر الرجل هى محاولة توظيف تاريخية خاسرة، لكن كيف نفهم أن تونس يحكمها خونة و الحال أن غالبية قيادات الإسلام السياسي هم زوار دائمون للسفارة الفرنسية و يعيشون في فرنسا، بل هم يحكمون تونس اليوم بمشاركة ‘الخونة’ الذين انتخبهم الشعب في انتخابات نزيهة شفافة شهدت بها قناة الجزيرة و صفق لها أمير قطر و رحب بها رجب أوردغان و غازلها المعزول محمد مرسى، و من يصدق أن في النهضة صقورا و حمائم، معتدلين و رافضين ‘للاستعمار’ الفرنسي، و كيف لا نخلط بين الإخوان و الإرهاب و كل التحاليل و الدراسات تنطق بهذه الحقائق المرعبة، و كيف يتجرأ البعض على نفى هذا الأمر زاعما أن ‘الجماعات الإسلامية’ في باكستان و الإخوان المسلمين هي تمظهر لحالة رفض و الحال أنها قوات مسلحة ذات فكر متشدد متطرف ترفع السلاح و تعيش على أوهام دولة الخلافة و تحكم بغير شريعة الله و تقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق بل أن السيد فوزي يعتبر هذه الجرائم ضد الإنسانية مجرد تفصيل و تفاصيل .
نحن نعلم أن ‘ الانتماء’ لهذه الجماعات ينعكس غصبا على آراء السيد فوزي مسعود و تحليله و منهجيته، لذلك لن نطالب الرجل بأن يخضع ‘ حقائقه’ للمنهج النقدي بالسعي إلى تأكيدها أو نفيها بالبرهان و الحجة، و لن نطالبه بعدم الانطلاق من القوالب و القناعات الجاهزة عند محاولة كتابة و نقد التاريخ، و سنتركه يسقط كل الشوائب على حكم بورقيبة لعله يستريح من هواجسه السلبية، أو لعله سيسقط أو يلغى تاريخ بورقيبة بغثه و سمينه مثلما أخفت الملكة البريطانية فيكتوريا ذات يوم هولندا من الخريطة و قالت للمتابعين المنبهرين، هذا البلد لم يعد موجودا في هذه الخريطة و في هذا العالم، و سنترك الصديق فوزي يخلع رداء الأسطورة على فكر الإخوان و على فكر الجماعات الإسلامية مغطيا شجرة الحقيقة برداء الإرث البورقيبى في أبشع مظاهر تزييف الحقيقة التاريخية، لعله يكتشف يوما بعد فوات الأوان أن الحديث عن بورقيبة لا يمكن اختزاله في مجرد تجميع بعض ‘ المعلومات’ المغلوطة أو في عملية قص و لصق لبعض الأحداث الغير مترابطة لكن في تمحيص و دراسة الأحداث بشكل موضوعي لمحاولة الخروج منها برأي منطقي من خلال التناقض الذي تفرضه الحقيقة التاريخية . و يفرضه العقل المستنير.