المجموعة الأولى: سحقها التسلط والجري وراء لقمة الخبز ففقدت الإحساس بضرورة معارضة القهر السائد والقدرة عليه معتقدة أن مأساتها قدر لا سلطة لها عليه ولا فائدة من العمل للتخلص منه والأفضل للمستطيع الهجرة إلى بلد آخر.
المجموعة الثانية: رأت ضرورة الصمود في وجه الخطر ومقاومته فاعتنقت عقيدة سياسية (قطرية، قومية، شيوعية يسارية...) محاولة تطبيقها في المحيط الوطني (أنظمة الاستقلال القطرية) والمحيط القومي أو الأممي هادفة إلى إصلاح الفساد والنهوض بالوطن لكن هذا النهج أفلس أيضا لاسباب منها الاستعمار الغربي بأشكاله والاستبداد الداخلي والفساد العام والأمراض الاجتماعية والطائفية والقبلية الموروثة والانقلابات وتوريد النظريات السياسية...
إن سلبية المجموعة الأولى وإفلاس المجموعة الثانية بسبب سلفيتها القومية والليبيرالية والماركسية واستبدادها وأمراض مجتمعها الموروثة وازدياد نهم الأنظمة الحاكمة في البلاد العربية في النهب والفساد والإفساد منذ ما يسمى بالاستقلال جعلت حياة السواد الأعظم غير قابلة للاستمرار على هذه الحال فالجوع والعري والبطالة واليأس والاستبداد هشّم العظام وكوى الأكباد فكان التمرد والانتفاض بموازاة الانكفاء على الذات والبحث في أعماق تاريخها عن آخر قارب نجاة تتشبث به عله يمنيها ويسليها ويحد من التحدي والذوبان فكان الانتماء إلى السلفية الأصولية الجهادية التي لا ترى ضرورة لتجديد الفكر الديني وتنشط حزبيا دون برامج وتعمل على جعل الدين سياسة والشريعة حزبا والإسلام حزبا تنزع الآيات القرآنية من سياقها لا ترى القرآن كلا وتعتبر رأي الأمير منزها وتطيعه طاعة عمياء وتتشدد في المظهر واسلوب العيش وترفع شعارات التكفير والجاهلية حاكمة بها على الأمة الإسلامية دولا ونظما ومجتمعات.
إن استنجاد ضحايا الأنظمة العربية الفاسدة المفسدة بالحركات السلفية الجهادية انتحار بيولوجي وانتحار حضاري قد يصدق فيهما مثل "الرجل الذي ألجأه الخوف إلى بئر تدلى فيها وتعلق بغصنين نابتين على شفرها فوقعت رجلاه على شيء عمدهما فنظر فإذا هو بأربع أفاع قد أطلعنا رؤوسهن من أجحرتهن ونظر إلى أسفلها فإذا هو بتنين فاغر فاه نحوه ورفع بصره إلى الغصنين فإذا في أصولهما جرذان يقرضانهما دائبين لا يفتران فسرعان ما وقع فنهشته الأفاعي وابتلعه التنين !" .