أين ذهب الملايين الذين كانوا يصفقون و يهتفون بحياة بن على ؟ من كان يخرج للهتاف باسم بن على ؟ كيف تحولت هذه الملايين فجأة و بلا مقدمات من ‘تجمع’ إلى ثوار ؟ من قام بالثورة ؟ الأحزاب نفت، الطبقات المثقفة نفت، الإسلاميون نفوا بشدة، من قام بالثورة إذا ؟ لم يبق في البلاد إلا هذا الشعب ‘ التجمع’ الذي قفز في لحظة معينة من هذا الكتف إلى هذا الكتف، مقابل ماذا ؟ مقابل كسكروت تن و قنينة كوكا كالعادة عند ‘التجمع ‘ أم مقابل حلم بمستقبل تبين مع الوقت أنه حلم مغشوش، لا هذا و لا ذاك، المسألة و ما فيها أن هذا الشعب ‘ العاطفي’ يميح مع الارياح كما يقال و بهذه المقاييس فهو شهال بدال، فهو الذي نادي بخبز و ماء و نويرة لا ثم عاد يترحم على أيامه و هو الذي نادي خبز و ماء و مزالى لا و عاد يترحم على أيامه و هو الذي نادي خبز و ماء و بورقيبة لا و عاد يخلد ذكراه و هــو الذي نادي خبــز و ماء و بن على لا و عاد يتنصل من هذه الثورة التي أطاحت بجبروته و سلطانه، فأي من هؤلاء هو الشعب التونسي ؟ .
صدقا، كل الشعوب تتلون في وقت ما أو في وقت الحاجة، و هناك شعوب تلونت بلون الاستعمار و قبلت بالذل و الهوان حتى جاء المنقذ، لكن أن يتحول التجمع إلى الشعلة الشعبية التي صنعت الثورة فهذا يستحق التمحيص و الدراسة و الاعتبار، لذلك لا تصدقون من يتنصل من ‘التجمع’ و من يريد إلباس نفسه لبوس الثورة بعد أن تلحف طيلة سنوات باللون البنفسجي، فالتجمع قد كان الفاتق الناطق في البلاد و الكل من حوله في فلك العبث السياسي يسبحون، فكيف يخرج هذا التجمعى من قشرته في لحظة معينة بعد أن عاش أكثر من خمسين سنة في نظام الفكرة و الحزب الواحد ليصنع ثورة على السائد ؟ يقال كشكل من أشكال التفسير و التحليل أن هناك أياد خفية قد حركت هذه الجموع لتخلق شكلا من أشكال التدافع الاجتماعي المتسرع بحيث يسقط النظام دون أن يقدر على فهم المتغيرات و من وراء المتغيرات، يقال أيضا أن التجمع قد كان مجرد واجهة كرتونية قابلة للسقوط بمجرد هبة بعض النسائم، لكن كيف لم يتفطن ‘التجمع’ و هو المتعود على الرقص على كل الحبال.
سنحتاج إلى عقدين لنفهم ما حصل في 14 جانفى 2010، و ستكشف كثير من الأوراق،و سيكون الشعب مع مواعيد متكررة ليفهم انه كان مجرد كومبارس في لعبة قذرة كبيرة صممتها قوى كبرى، فالذين يتحدثون عن دور المخابرات القطرية و التركية و دور محطة الجزيرة المشبوه ليسوا واهمين، و الذين رأوا القناصة بأم العين ليسوا كاذبين، و ما نقل من ‘محضر الجلسات’ في وزارة الداخلية ليلة السقوط و في ثكنة العوينة في علاقة ب’العائلة’ الحاكمة هو نزر قليل من الحقيقة،فما الذي تغير بين الساعات التي قضاها السيد محمد الغنوشى في رئاسة الدولة و بين تلك الانعطافة السريعة لإحدى فصول الدستور لتنصيب السيد فؤاد المبزع بدلا عنه، ثم كيف يتحول الجنرال سيك سالم من منقذ للبلاد من الفوضى إلى متهم مفترض بالاستيلاء على الحكم، و الأهم من ذلك، أين كان ‘ الإخوان’ و هم الذين رفضوا الاشتراك في قلب نظام بن على و من طلب من ‘ الإخوان’ هذا الصمت المريب، فهل لعبت المخابرات القطرية التركية لعبتها لتنصيب الإخوان و فتح المجال للإسلام السياسي بان يقتلع رقعة مهمة تصلح لإنشاء الخلافة في بلدان المغرب العربي، متى ستكشف حكايا الثورة، ثورة ‘ التجمع ‘ .