- والحكاية ذكرها " ابن عثيمين " عند حديثه عن قول الله تعالى : { وَطَهِّرْ بَيْتِيَ للطَّائِفِينَ وَالقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } ( الحج : 26 )، قال : بدأ بالطواف ؛ لأن الطواف أخص عبادة تتعلق بهذا البيت، لا يُطاف بغيره، لا يُطاف إلا بهذا البيت، فقدمها ؛ لأنها أخص عبادة تتعلق به، ويُذكر أن بعض الخلفاء نذر أن يتعبد لله عبادة لا يشاركه فيها أحد فسأل كثير من العلماء، فقالوا : لا يمكن، إن صليت فلعل غيرك يصلي، إن صمت فلعل غيرك يصوم، إن تصدقت فلعل غيرك يتصدق، ففتح الله على بعضهم وقال له : يُخلى لك المطاف ـ يعني أمنع الناس من الطوافـ وطف وحدك، حينئذٍ لا يشاركك أحد ؛ لأن الطواف خاص بالبيت (2)
ومما يستفاد من هذا الموقف :
- أن التشديد على النفس في أمور العبادات قد يوقع الانسان في الحرج الشديد، وخصوصا في تلك العبادات التي يوجبها على نفس في النذور والأيمان، لذلك فعلى المؤمن ألا يشدد على نفسه بإيجاب شيء من العبادات على نفسه على سبيل النذر أو اليمين، وهو أمر نهانا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث : " لا تشددوا على أنفسكم، فإنما هلك من قبلكم بتشديدهم على أنفسهم وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات "( أخرجه البخاري في " التاريخ " وغيره، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم "3124 " )، قال " القاري " والظاهر أن المعنى : لا تشددوا على أنفسكم، بإيجاب العبادات الشاقة على سبيل النذر أو اليمين، فيشدد الله عليكم فيوجب عليكم بإيجابكم على أنفسكم، فتضعفوا عن القيام بحقه وتملوا وتكسلوا وتتركوا العمل فتقعوا في عذاب الله تعالى، وهذا المعنى هو الملائم للتعليل بقوله ( فإن قوما ) أي : من بني إسرائيل ( شددوا على أنفسهم ) : بالعبادات الشاقة، والرياضات الصعبة، والمجاهدات التامة، فشدد الله عليهم بإتمامها والقيام بحقوقها، وقيل : شددوا حين أمروا بذبح بقرة فسألوه عن لونها وسنها وغير ذلك من صفاتها . ( فشدد الله عليهم ) : بأن أمرهم بذبح بقرة على صفة، لم توجد على تلك الصفة إلا بقرة واحدة لم يبعها صاحبها إلا بملء جلدها ذهبا (3)،
ومن حقائق هذا الدين أن الله تعالى جعل أمر هذا الدين، مبنى على اليسر والتخفيف ورفع الحرج، قال تعالى : { .. يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ...} ( البقرة : 185 )، وقال تعالى : { ... مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ..} ( المائدة : 6 )، وفي الحديث : " إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا. . . " ( رواه البخاري، رقم 39)، وأيضا : " إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين " ( رواه أصحاب الصحاح: ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والضياء وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم : 1283)
- أن الذكاء والفطنة من الصفات الهامة التي ينبغي توافرها في الفقيه والمفتي، وملاحظته الأحوال والأمكنة والأزمنة والظروف وحالة المستفتي، ومن لطائف ما يُروى في فطنة المفتي ( بغض النظر عن مدى ثبوت الحكاية )، ما حُكي عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله، أن أحد قواد جيش المنصور، وكان ضغنا عليه، جاءه فقال : يا أبا حنيفة، أمير المؤمنين يأمرني بقتل الرجل فآخذه ولا أدري أيقتل على حق أم باطل؟
فقال أبو حنيفة : يا فلان، أمير المؤمنين يأمر بالحق أم بالباطل؟ قال : بل بالحق، قال : أنفذ الحق حيث كان، فقام الرجل منكسرا، فقال أبو حنيفة لمن عنده : هذا أراد أن يقيدني فربطته (4)
- خطورة كثرة الحلف بالطلاق على الحياة الزوجية : فمن العادات السيئة التي انتشرت بين كثير من الناس، وخصوصا بين البائعين والتجار وعامة الناس في هذه الأيام كثرة الحلف بالطلاق، قال بعض أهل العلم : الحلف بالطلاق من أيمان الفساق، والإكثار منه داخل في عموم الاستهزاء بأحكام الله تعالى، وهذا من الخطورة بمكان،
ولقد شدد الإسلام علي النهي الجازم عن الحلف بالطلاق أو بغيره، وحذر منه تحذيرا شديدا، ويأثم الحالف بالطلاق، فينبغي علي المسلم ألا يحلف به جادا كان أو هازلا، فكثرة الحلف بالطلاق كما هو شائع بين الناس يجعله سهلاً علي اللسان، ولقد جاء في كتاب " الإبداع في مضار الابتداع " (5)
: " أن رسول الله صلي الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول الطلاق يلزمني إن فعلت كذا، فرؤيت الكراهية في وجه الرسول وقام وهو يقول : " أتلعبون بدين الله وأنا بين ظهرانيكم ألا من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت "
وكان الفاروق عمر رضي الله عنه يجلد كل من حلف بالطلاق، ويلزمه ما التزم به علي نفسه، ويقرأ أية : {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ ..} ( آل عمران : 93 )، وسئل الإمام مالك رحمه الله عن يمين الطلاق فقال هو يمين الفساق، ومن هنا فمن حلف بالطلاق فهو آثم مخالف لشرع الله، وقد يقع فيه فيؤدي الي طلاق الزوجة وحرمتها عليه وهو لا يدري،
والخلاصة : لا يجوز للرجل أن يتخذ الطلاق على لسانه دائماً ويحلف به، لأن الطلاق لفظ خطير، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : "أبغض الحلال عند الله الطلاق" (رواه أبو داود في سننه)، فالتلاعب به والتساهل في شأنه والحلف به والإكثار من ذلك كل هذا لا يجوز، فعلى المسلم أن يتقي الله سبحانه وتعالى،
****************
الهوامش والاحالات :
============
(1) – أنظر : https://sites.google.com/site/alnafry/almsa2el3
(2) – أنظر : مجموع فتاوى العثيمين : المصدر على الانترنت :
http://islamport.com/w/amm/Web/2522/12208.htm
(3) - علي بن سلطان محمد القاري ( ت : 1014هـ ) : " مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح "، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1422هـ، 2002م، ج1، 266،
(4) – أنظر : http://majles.alukah.net/t952-2/
(5) - علي محفوظ : " الابداع في مضار الابتداع "، تحقيق : سعيد بن نصر بن محمد، مكتبة الرشد، الرياض، السعودية، 2000م،
*****