بدء نقول إن المساجد هي الأماكن المخصّصة اليوم للصلاة بحيث تحوّلت الوظائف التي كانت تقوم بها سابقا إلى غيرها من المحلات المعدّة للتعليم والقضاء والحكم وغير ذلك وانحصر دورها في أداء العبادة فقط، اليوم والوضع في بلادنا على ما هو عليه من انخرام أمني واجتماعي انحرفت المساجد عن أداء دورها وأصبحت محلات منفلتة من عقال القانون ويبدو ذلك من خلال تحوّلها إلى:
1) مواقع تسودها الفوضى والعراك بالعصيّ والسكاكين وسبّ الجلالة من طرف من يخلطون الدين بالسياسة ويسعون إلى احتلال المنابر ولا يتورّعون عن ارتكاب المحظور وقد شاهدنا نماذج مصوَّرة ممّا يحدث داخلها، الأمر الذي دفع بالكثير من المصلين إلى هجران المساجد نأيا بالنفس عن فوضى سادت في محلات قال في شأنها جلّ من قائل:"فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ"(1).
2) محالّ لتخزين المتفجرات والأسلحة فقد نقلت وسائل الإعلام أن بعض المساجد في العاصمة وفي غيرها أصبحت مستودعات وترسانات لِما ذكر، منها حتى ما هو مضادّ للطائرات، فضلا عن أن الاعتداءات على اجتماعات الأحزاب السياسية والمظاهرات تنطلق منها بعد التسلحبالعصي والأعلام السوداء التي أُخفيت داخلها من قبل.
3) أماكن للتآمر على حياة الناس وإعداد الخطط للاغتيالات ففي تسعينات القرن الماضي تم التخطيط لجريمة باب سويقة في جامع صاحب الطابع ومنه خرج القتلة واتجهوا إلى لجنة التنسيق الحزبي وأحرقوا واغتالوا حارسين لا ناقة لهما ولا جمل في السياسة أو الاختيارات السائدة أيامها، اليوم تفاقم الأمر واتسع الفتق على الراتق باكتساب الإرهاب القدرة على الحركة نظرا لِما عليه الأمن من ضعف ونظرا لغياب الإرادة السياسية في مواجهته. إن القدسيّة التي يتصف بها المسجدفي المخيال الشعبي سهّلت على مجرمي هذا الزمن استدراج عبُّاد الرحمان إلى شباكهم والتخفي تحت ستار العبادة والحال أنهم يخطّطون لاستهداف الأرواح البشرية.
4) مواقع يُجنّد فيها الشباب ويُرمى بهم في أتون حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل تحت ستار الجهاد وقد اشتهر في ذلك الوزير الوهابي السابق لشؤون البدو الرحّل الدينية المدعوّ نور الدين بن حسن الخادميإمام جامع الفتح الذي لم يتوقف عن دعوة الشباب وحثِّهم على السفر إلى سوريا بتعلة الجهاد، كما أن العديد من العائلات التي غُرِّر بأبنائها ذكرت أن المساجد كانت المحضنة التي في إطارها يتمّ التجميع والتسفير إلى المحارق، هذا بالنسبة للذكور أمّا الإناث ففي الجوامع التي أذن الله أن يذكر فيها اسمه يدعونهم إلى ممارسة البغاء تحت مسمّى جهاد النكاح.
5) وسيلة لجمع الأموال التي تُموّل بها الجرائم وتشترى بها الذمم تحت ستار بناء الجوامع وهو ما نشاهده في كل الأوقات خصوصا أمام المساجد وفي الطرقات والحافلات وفي غيرها.
الذي نخلص إليه أن المساجد في بلادنا اليوم أصبحت خطرا على حياة المواطنين وأمنهم وأضحت مهدّدة للسلم الاجتماعي يصحّ وصفها بأنها أخطر من مساجد ضِرار التي بناها البعض قديما للإيقاع بين المؤمنين وورد في شأنها قوله تعالى:"وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللهُيَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ"(2).
فما الحلّ والوضع على ما هو عليه؟.
شرعا الإسلام هو الدين الوحيد الذي تجوز فيه الصلاة في أيّ مكان إذ لم يحدّد الله تعالى موقعا أو محلاّ مخصّصا لأداء الصلاة قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"وجُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا"(3)أي أن المؤمن له أن يصلي على صعيد الأرض باستثناء الأماكن غير الطاهرة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم:"نهي أن يصلى في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمّام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر البيت"(4)وقد ذهب ابن أبي زيد القيرواني في رسالته إلى القول:"ويُنهى عن الصلاة في معاطن الإبل ومحجّة الطريق وظهر بيت الله الحرام والحمّام حيث لا يوقن منه بطهارة والمزبلة والمجزرة ومقبرة المشركين وكنائسهم "(5) الأمر الذي يعني أن كل ما طَهُر من الأرض تصحّ الصلاة فيه بحيث لامدخل للمسجد في صحّة الصلاة، وإن رغّب المشرِّع في صلاة الجماعة فإنه لم يشترط أن تكون في المساجد بل في أيّ مكان طاهر وهو ما اعتبره الزركشي:"من خصائص هذه الأمّة قال القاضي عياض لأن من قبلنا كانوا لا يصلون إلا في موضع يتيقنون طهارته ونحن خُصِّصنا بجواز الصّلاة في جميع الأرض إلا ما تيقنا نجاسته وقال القرطبي هذا ما خَصَّ الله به نبيّه وكانت الأنبياء قبله إنما أُبيحت لهم الصّلاة في مواضع مخصوصة كالبِيَع والكنائس"(6) نخلص إلى القولبأن المساجد لدى المسلمين ليست إلا محلات لأداء الصلاة مثلها مثل غيرها من الأماكن بحيث لا يُشترط لصحّة الصلاة فيها سوى الطهارة، والحال على ما هو عليه لدينا هل يجوز شرعا إغلاق المساجد إلى أن ينصلح حالها؟ وهل هنالك موانع شرعيّة تحول دون ذلك أو أن الشرع يحث على إغلاقها إذا تيقن المؤمن حدوث الفساد إن بقيت مفتوحة؟.
قبل البحث في المسألة نشير إلى أن السلطات السعودية حرّرت الحرم المكي سنة 1979 عنوة بعد استصدار فتوى تبيح القضاء على جماعة جهيمان العتيبي التي احتلت الحرم واعتقلت من فيه رهائن، ولم يجد المسلمون جميعهم في ذلك أيّ حرج رغم أن النيران أطلقت بكثافة في محلّ قبلة المسلمين جميعا وسالت الدماء وقتل العباد متجاوزين وصيّة الرسول صلى الله عليه بضرورة الحفاظ على حرمة المكان، ففي هذه الحالة لم يكن أمام السلطة السعودية إلا إعمال القاعدتين الأصوليتين درأ المفاسد أولى من جلب المصالح وإذا ما تعارض مفسدتان رُوعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفّهما فإذا كانت العبادة مصلحة فإن في بقاء جهيمان وجماعته مفسدة حقيقية تتمثل في تعريض الناس لخطر الموت وإذا كان الهجوم المسلّح على المسجد مفسدة فأعظم منها بقاء جهيمان في الحرم لذا كان الموقف متّسقا مع روح الشرع، أمّا بالنسبة لِما يحدث في بلدنا فلا مندوحة عن القول بأن المساجد أصبحت مقرًّا للإجرام ومحلا للتخطيط وإيذاء عباد الله لذا على السلطة أن تغلقها إما غلقا مؤقتا أو غلقا دائما بحسب تقديرات مصالح الأمن حتى نطمئن إلى زوال الخطورة التي تمثلها المساجد ببقائها مفتوحة إعمالا للقاعدتين الأصوليتين سالفتي الذكر.
ولأن المحافظة على النفس الإنسانية مقدّمة على غيرها لأنها الأصل الذي تتعلق به التكليفات جميعها فإن إغلاق المساجد في تونس أصبح محتّما حفاظا على الأرواح، ولنضع في اعتبارنا أن صحيح الدين يدعو إلى ذلك ويحرّض عليه فإغلاق المساجد مفسدة أعظم منها بقاؤها مفتوحة دون ضابط أو حارس تحت تصرّف المجرمين وعتاة المتطرّفين قال الشيخ محمّد الطاهر ابن عاشور متحدثا عن المساجد:"وكذلك غلقها من دخول الصبيان والمسافرين للنوم، وقد سئل ابن عرفة في درس التفسير عن هذا فقال:غلق باب المسجد في غير أوقات الصلاة حفظ وصيانة. وكذلك منع غير المتأهل لدخوله......"(7) فإن دعا أسلافنا إلى إغلاق المساجد خوف دخول الصبيان أو المسافرين للنوم فيها ألا يكون الأَوْلى إغلاقها تماما إن استعملت وسيلة للمغالبة والتدافع بين أبناء الأمّة الواحدة.
-----------
الهوامش
1) سورة النور36.
2) سورة التوبة 106 و107.
3)البخاري كتاب التيمّم.
4) الترمذي 2/178، طبعة البابي الحلبي. معاطن الإبل جمع معطَن وهو مبرك الإبل وموضع اجتماعها عند صدورها من الماء.
5)شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني، طبعة مكتبة المنار للتجاني المحمدي، دون تاريخ، ص38 و39. أما مِحجّة الطريق فقارعته حيث يشك في إصابتها بالنجاسات.
6) "إعلام الساجد بأحكام المساجد" للإمام محمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق الشيخ أبو الوفاء مصطفى المراغي، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة 1999، ط5 ص27.
7)التحرير والتنوير1/680.