ومن الجدير بالملاحظة أن محمد الصياح طوال كتابه لم يتحدث بتوسّع عن أي من الإسلاميين إلا عن حسن الغضباني وهي شهادة من عارف مسيّس يحسن تقدير الرجال، أما الإعلام فإنه هو الآخر انتبه لما تحمل الأيام فخصّصت مجلة جون أفريك ثلاثة أعداد كاملة بداية من 14 مارس 1979 إلى 28 مارس 1979 للحديث عن الظاهرة الإسلامية، ورغم أن سهير بلحسن صاحبة الملف تحدثت مع غير حسن الغضباني كراشد الغنوشي وصلاح الدين الجورشي وعبد الفتاح مورو إلا أنها أفردته بالعناية سواء بنقل موسّع لتصريحاته أو نشر صوَره وقد التف حوله خلق كثير يحملون آلات التسجيل. هذا الصعود الإعلامي لم تحبِّذه مجلة المعرفة التي كان يرأس تحريرها الغنوشي فردّت الفعل في محاولة منها لحماية المنتسبين من وَقْع ما ذكرت جون أفريك وبيان ذلك:
1) في باب أضواء تونسية الذي دأب على تحريره صلاح الدين الجورشي نُشر نصّ غفل من الإمضاء نقد فيه كاتبه الحلقات الثلاث بتفصيل تتبع فيه ما توهّم أنه سقطات وذلك في العدد 5 السنة 5 الصادر في 15 ماي 1979.
2) نشرت المجلة في العدد المذكور وفي الذي يليه حديثا من جزأين للأستاذ عبد الفتاح مورو لابسا كما هي عادته الجبة والكشطة وكأنها تقول لمنتسبي الحركة هذا هو الذي يمثل الإسلام التونسي وليس ذاك المتفرنج في لباسه الذي اختارته مجلة غربية، غير أن مربط الفرس جاء في صيغة سؤال من المحرّر كالتالي:"في أحد أعدادها عرفتك مجلة نوفل أبسرفاتور بأنك زعيم الإخوان المسلمين في تونس فما السرّ في هذه التسمية؟" وكان جواب الأستاذ مورو طويلا أهمّ ما جاء فيه:"كان من المفروض أن يُوجَّه هذا السؤال إلى محرّر المقال نفسه....... وبالنسبة لي فإن ما ورد في مجلة نوفل أبسرفاتور وما ردّده بعض قرائها من أني أتزعم جمعية الإخوان المسلمين بتونس يندرج في هذا الإطار ولعلّ من مبرّراته أني أحد الذين برزوا في هذا العمل، على أني لا أدعي زعامة".
3) في الأعداد الموالية من مجلة المعرفة نشر الغنوشي مقالات تدور جميعها حول الملف الذي نشرته جون أفريك ففي العدد المذكور أعلاه نجد مقالا عنوانه "العمل الإسلامي وقطاع الطرق" حمل فيه حملة شعواء على وسائل الإعلام خصوصا منها الغربية قال:"وكما حشر فرعون بالأمس سحرته لحرب دعوة موسى الإسلامية يحشر الغرب اليوم سحرته ـ أجهزة إعلامه ـ في عملية رهيبة لوأد هذه التطلعات" وفي العدد 7 السنة 5 المؤرّخ في 25 جويلية 1979 نشر مقالا عنوانه"التكوين العقائدي أوّلا" عاد فيه إلى التحامل مجدّدا على وسائل الإعلام الغربية، من بين ما جاء فيه قوله:"ولقد استطاعت أجهزة الدعاية الغربية يمينها ويسارها أن تزلزل كثيرا من المسلمين وأن تجندهم دون أن يشعروا لمحاربة المبادئ التي نشؤوا عليها والتنكر للعلماء والمفكرين الذين بهم اهتدوا والإعراض عن الجماعات التي في حضنها تربوا فيكون حالهم كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا" وفي العدد 8 السنة 5 المؤرّخ في 1 سبتمبر 1979 نشر مقالا عنوانه"العقلية الفردية وأثرها في حياة العرب وواقعهم" من بين ما جاء فيه:"واعتبر الترشح لمنصب من المناصب في الدولة الإسلامية سببا كافيا للحرمان منه...... ومن ثم لا مجال في المجتمع الإسلامي للحملات الانتخابية يخوضها الزعماء..... كان يربيهم على أن الالتزام بالجماعة على علاتها ما بقيت تتصرّف في حدود الإسلام خير من الفرقة.... كان التغريب عاملا أساسيا في تنمية النزعة الفردية".
يتضح ممّا ذكرنا أن الحركة من خلال وسيلة إعلامها لم ترتح للملف المنشور وهي في واقع الأمر اتخذته تعلة للقضاء على هذا الذي اكتسح الساحة الإسلامية وأصبح قادرا على جمع الأنصار والتأثير فيهم من ناحية ويمكن أن يمثل تهديدا للتوازنات القائمة داخل الحركة من ناحية أخرى.
هذه الحملة الممنهجة ضدّ حسن الغضباني لم تنشأ بظهور ملف جون أفريك بل كانت سابقة لذلك بست سنوات كاملة حيث عمل الغنوشي على محاولة التخلص من هذا المنافس الذي أبهر مستمعيه بفصاحته وحسن إلقائه وكاريزميته يقول الأستاذ الغضباني في جواب له عن علاقته براشد الغنوشي:"في سنة 1972 سعى راشد ليربط الصلة بيني وبين محمود صبحي أمين الدعوة الإسلامية آنذاك في الجماهيرية الليبية حتى أذهب للقيام بالدعوة إلى الإسلام في دول إفريقيا أو في أستراليا، ومنذ ذلك الوقت بدأت أفهم مقاصده معي"(2)، المهمّ أن جون أفريك بما نشرت أشعلت النيران ودفعت الحركة إلى السعي للتخلص من حسن بمنعه من دخول المساجد والكذب عليه بما لا يمكن معه في ذلك الوقت ردّه لأن وسائل الاتصال لم تكن على ما هي عليه اليوم من انتشار، فشُنَّت حملة على الرجل تتهمه في عرضه وشرفه داخل المساجد وخارجها في المحاريب وعلى المنابر وأذكر أيامها وأنا في بدايات حياتي الوظيفية الكمّ المهول من الأكاذيب التي روّجها منتسبو الحركة دون شعور منهم بتأنيب ضمير أو خشية من الله بالافتراء على خلقه وبالمناسبة أذكر أن بلادنا طوال القرن العشرين ورغم وجود الخصومات السياسية بين أحزابها وقياداتها فإننا لم نسمع أن واحدا تجرّأ على اتهام غيره في شرفه، هذا الفعل الرديء الذي لا تقرّه الأخلاق ولا الأعراف هو من مبتكرات حركة الاتجاه الإسلامي التي ستكتوي بناره بعد عشر سنوات فقط فيما عرف بفضيحة الكاسات، نجحت الخطة وغاب حسن عن الساحة ولكنه لم ينس أن الذين أساؤوا إليه يوما ما يحتاجون إلى من يشدّ أزرهم يوم الضيق فتطوّع المرات العديدة للدفاع عنهم في المحاكم وممّا ثبت لدينا أنه كان وراء إنقاذ رأس الغنوشي من المشنقة في آخر عهد الزعيم بورقيبة رحمه الله.
هذه صفحة من تاريخ حركة الاتجاه الإسلامي في تونس لم نر بدًّا من نشرها خصوصا وأن الشهود فيها أحياء من ناحية ومن ناحية أخرى لم نقرأ لحدّ الآن فيما صدر من دراسات عن المراحل الأولى للتأسيس ما يشير إلى هذا الخلاف وحتى من كتب من المنتسبين للحركة يُغفل ذكر الدور الذي لعبه الغضباني في حين يقع تضخيم ذوات أخرى كما صنع الحامدي في كتابه "أشواق الحرية" حيث ترجم لنفسه باعتباره من المؤسّسين والحال أنه من الجيل الثالث للحركة أو أن يُرتكب خطأ مقصود بكتابة الاسم والصفة على غير ما يقتضي الحال فيصبح حسن الغضباني غضبانا ويتحول من طالب في الحقوق إلى طالب في الفلسفة كما ورد ذلك في الصفحة 30 من كتاب "من تجربة الحركة الإسلامية" لراشد الغنوشي.
---------------
الهوامش
1) "الفاعل والشاهد" حوار مع محمد الصياح أجراه المولدي الأحمر، نشر سراس للنشر، تونس 2012، ص222 و223.
2) مجلة "حقائق" العدد 113 المؤرخ في 11 أفريل 1986.