ففي الاقتصاد أيضا، مثل السّياسة، يُقِرُّ العالمُ بأجمَعِه بأنّ هناك اقتصادٌ إسلاميٌّ يختلف جذريّا عن الاقتصاد الكلاسيكي غير الإسلاميِّ، و هو الذي مارسه الإنسان منذ نشأته الأولى إلى يومنا هذا. و إقرارُ العالم و مفكّريه و مُنظِّريه بأنّ في الاقتصاد ما هو إسلاميّ، هو لوحدِه اعترافٌ بأنّ المنظومة الفكريّة الإسلاميّة هي منظومة مكتملة الأركان، كاملة الأساسات، لأنّها تتكلّمُ في جميع مجالات الحياة، و لأنّ لها تشريعاتٌ و تعاليم لجميع أمورِ البشر و غير البشر.
فهل هناك فعلا اقتصادٌ إسلاميٌّ و اقتصاد غير إسلاميٍّ؟ و ما هي حدود بينهما؟ و أيُّ النّوعين أفضل للبشر و للحيوان و للشجر؟
إنّ لفظ الاقتصاد مُعجَمًا، هو اشتقاقٌ مصدريٌّ من فعل "اقتصد"، و هو مزيدٌ لفعل الجذر و هو "قَصَد" بمعنى اتّجه إلى نهايةٍ مكانا أو فكرا أو زمانا، و التاء الزائدة الواردة في وزن هذا الفعل مع الألف، مثله مثل أفعال الوزن "اِفتعلَ" تُفيدُ في أصل الاشتقاق، تسبُّبُ صاحب الفعل في اِنجاز الفعل و حُدوث الفعل لفائدته. كما يُفيدُ الوزن كذلك فكرة المشاركة في القيام بالفعل، و نحو ذلك فعل "اِشتبكَ" من "شبكَ" بمعنى تشارك، فنقول اشتبكتِ الأغصانُ بمعنى تشاركتِ الأغصان في الاشتباك. و هنا استحضر الجانب البلاغي في لغتنا، لغةُ القرآن، في هذه التّسمية قبل الوُلوج في مضمون الاصـــــطلاح و كنهِه. حيث أن فعل "اِقتصدَ" يُوحي اشتقاقا بِتوجُّهِ أحدِهم إلى غايةٍ ما، فقام بالفعل بنفسه متشاركًا فيه مع غيره لحتميّة وقوع الفعل سوى مع غيره، و هذا لعمري عين ممارسة فعل الاقتصاد.
أمّا الاقتصادُ اصطلاحا، فهو كلُّ نشاطٍ يَدُرُّ منفعةً مادّيّةً للقائم به، و لو لم يكن هو سببا فيه. و يشمل هذا الاصطلاح مجالات الفلاحة و الصناعة و الخدمات. و أهمّيّة هذا المجال في حياة البشر تكمُن في أنَّه مجالُ القوتِ الذي لا يستقيم العود إلَّا به. و لعلَّ ذلك ما يجعلُه مُقدَّمًا على كلِّ ما سواه من المجالات، حتى تلك المهتمَّة بالإيـــــــــمانيّات و الفكريات و الايديولوجيات. فالقوتُ سابقٌ للفكر و للدين و للمنهج عند البشر، لأنه يستجيب لغريزة هي الثانية بعد غريزة حبّ البقاء، بل لعلّها الأولى إذا ما اعتبرناه سببا في البقاء. فالعقل الجائع لا يفكّرُ، و المعدة الخاوية لا يَصدُرُ منها منطقًا.
و قد تطوّرت أهمّيّةَ هذا المجال عبر التاريخ شيئا فشيئا، فبينما كان الاقتصاد المعروف لدى البشر الأُول قائمٌ على مقايضة ما يخرجُ من البرِّ أو من البحرِ بما يكفلُ قوتَ يومٍ أو بعضَ يومٍ، أصبح اليوم مجموعة معقّـــــــــدة من الأدوات و المناهج و النظريات ووسائل الإنتاج و طرق الكيل، التي لا تكفل قوتَ اليوم فقط، بل رفاهة العيشِ لمستقبلٍ يُعَدُّ في بعض النظريات لأكثر من مائة سنة أو أكثر.
و مراحلُ ذلك التّطوّر المختلفة هي التي أوجدت شيئا فشيئا النظريّة الاقتصاديّةَ، أو المنهج الاقتصادي. لأن الممارسات الكثيفة تُوجِبُ النظريَّة، و النظريّةُ تُوجبُ التّعلّمَ، و التعلُّمُ يَضمن الممارسة، و هكذا
و إلى الأسبوع القادم بإذن الله.