و يدل هذا التصرف المشين على مدى انغلاق هذه الفئة الشاذة من التونسيين و تقوقعهم على أنفسهم و رفضهم لمبادئ حرية الاختلاف، و حرية المعتقد و الحق في ارتداء اللباس الذي يراه المواطن مناسبا. كما يعكس هذا التصرف وجود ترسبات تخلف و عصبية بدائية و حقد على الآخر حتى لو كان من بني وطنه.
المناسبة كانت ملتقى حوار وطني (على الرغم من اقصاء السلفيين و الأقليات العرقية كالعادة) بما يعني أنها كانت فرصة للاستماع للآخر و للقبول بتقديم بعض التنازلات حتى لا تغرق سفينة تونس في وحل الفقر و الدكتاتورية و الجهل. لكن يبدو أن الحاضرين و خاصة من تلك الفئة من رواد نادي المنكر، جاءت فقط لتفرض شروطها وعصبتيها الجاهلية و ليس للوصول إلى توافق.
لكن أنا أتساءل ماذا كانت ستكون ردة فعل هؤلاء لو أن الرئيس التونسي (عوض أن ينصف المنقبات) دافع عن عاريات الصدر و ضرورة السماح لهن بالتنظيم و التظاهر و توفير التمويل العمومي لأنشطتهن النضالية التي لا تسيل الدموع بل أشياء أخرى؟
أتصور و بكل تأكيد أن رواد نادي المنكر من الحضور كانوا ليقطعوا كلمته بالتصفيق و الهتاف بحياته، وكانوا سيقفون اجلال و تقديرا لمدى حرص الرئيس على انصاف جميع فئات المواطنين بما فيهم الشاذون و الشاذات. وأقول حتى و لو لم يصفقوا ما كانوا ليغادروا القاعة بتلك الكيفية الصبيانية (التي تذكرنا بسنوات المراهقة و مقاطعة بعض الأساتذة في المعاهد).
إن تونس اليوم و لا شك في مفترق طرق، قلة متضررة جدا من هروب بن علي و اندحار منظومة فساده التي كانوا يتمعشون منها سواء بالصفقات العمومية أو بتوظيف أبنائهم و معارفهم أو بالحصول على الرخص و الامتيازات.
اليوم المسألة ليست مسألة حريات و منقبات و شريعة اسلامية، المسألة هي فساد مركب متأصل في اللاوعي و تربى عليه جيل كامل من أشباه المتعلمين. هؤلاء كالقُراد -أكرمكم الله- لا يعشون إلا على دماء التونسيين و دماء هذا الوطن. بالله عليكم هل رأيتهم يدعون إلى خير قط، هل نظموا قوافل لإعانة الفقراء و المحتاجين، هل موّلوا مشروعا علميا أو ثقافيا، هل بنوا شيئا يستحق الذكر. بل من مصيبتهم أنهم ينتقدون من يبني و من يساعد التونسيين و من يدعوهم للخير. بل تجدهم لا يدافعون إلا عن الشذوذ الجنسي و مخالفة أبسط أحكام دين هذا الشعب.
لقد قالوا كلمتهم، إما أن نحكم و إما أن تحكموا و لكن لا تحاسبوننا على الفساد و مخالفة القوانين تماما كما كنا من قبل، وإلا فإنها الفوضى. لكن تونس أرض ولدت رجالا و نساء، و مازالت تلد الرجال و النساء المخلصين لوطنهم الذين لا يقبلون أن يأكلوا اللقمة الحرام و لن يتركوها لهم سائغة. و لن يقبلوا بأن ينشروا فواحشهم و منكراتهم و شذوذهم و فساهم، لأن هذا الشعب: شعب متأصل في حضارته شامخ بهويته، مقتنع بما رزقه الله من أمن و حياة كريمة، متسامح بطبعه، غيور على ماضيه ومتفائل بمستقبله.
تونس ستبقى لكل التونسيين و الاستئصاليون المرضى سيكون مآلهم المصحات النفسية، لأن تونس أرض التسامح وأرض التآخي، و أرض الجميع . هكذا كانت و هكذا ستكون و من يشذ عن ذلك فلن يستطيع تحمل البقاء فيها.
-------------
كريم السليتي
كاتب تونسي