فقد كان على أكبر القوى الاجتماعية والسياسية فيها، وهم الإخوان وجماعاتهم من سلفيين وجهاديين وأنصارهم من كافة فئات المجتمع، أن يحزموا أمرهم في تكتل صلب، ليأخذوا حكم العسكر، الذي خلف مبارك في المسك بدواليب الدولة أن تسقط في الفتنة والتفكك، إلى جادة التغيير المنشود من قبل الجماهير.
وبعد كر وفر وأخذ ورد، توصلت قوى الثورة على اختلاف مشاربها بقيادة جماعة "الإخوان المسلمون"، من حمل العسكر ممثلاً في المجلس العسكري، من تنظيم أول استفتاء شعبي حر ونزيه، لاستصدار إعلان دستوري يقضى بتعديل بعض مواد الدستور القائم، باتجاه تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية، تؤسس لمرحلة كتابة دستور جديد لمصر، يفتح على وضع مستقر يعكس توجهات ثورة 25 يناير المجيدة. ثم نجحت تلك القوى وفي مقدمتهم الإخوان دائماً، في افتكاك زمام المبادرة من يد العسكر، حين أفلحت في تنظيم أول انتخابات رئاسية، ديمقراطية حرة ونزيهة في تاريخ مصر الحديث.
وإنه لحقيق بنا اليوم، ونحن نكتب للمباركة لمصر بهذا الدستور الجديد، والأخبار تأتينا بنتائج الاستفتاء عليه بنعم، بنسبة عالية - وهو ثاني استفتاء يستفتى عليه الشعب في ظرف قصير بعد ثورته - أن نهنئ إخوتنا في مصر على هذا الإنجاز العظيم، الذي ما كان لهم أن يبلغوه لولا حكمة قياداتهم في تخطي المعوقات والعراقيل بروح عالية من التنظيم والتضحيات. روح تغبطهم عليها كل الشعوب العربية التي عرفت هذه الثورات السلمية العارمة كمصر وربما قبلها كبلدنا تونس، ولكنها لم توفق بعد الى التماس طريقها الى الاستقرار والأمن في ظل نظام جديد يقوم دستوره على التوافق الأغلب لقوى الشعب وفئاته العريضة.
وأملنا أن يفتح استفتاء مصر على دستورها فألاً في وجه غيرها من البلدان العربية التي مرت أو تمر بثورات سلمية لإصلاح أمرها. وتكون دساتيرها المتوأمة كثوراتها، مقدمة لوحدتها ونهضتها في ملحمة كونية صلبة متناغمة مع العصر ومتطلباته الحضارية الرائدة.
---------
تونس في 23 ديسمبر 2012