و اندلعت الحرب و استعملت فيها كل الأسلحة المحرم منها وغير المحرم و البذيء و الأكثر بذاءة و الفتاك و الأكثر فتكا.
فلم تفلح في اقتلاع متولي السلطة فزغردوا في أذن الثور المشهور و هيجوه ليقتحموا به أسوار السلطة القائمة فوافق شاكرا كعادته لأن قيادته الشريفة تاريخيا و غير الشريفة لا تتوانى في خدمة سيدها التاريخي و بوس يده دستوريا كان أو تجمعيا بدءا فعليا بمؤتمر صفاقس 1955، و انتهاء ببكائها على المخلوع الذي كانت تتبادل معه المصالح و الذي ترك ذرية يتامى ما إن أشاروا و حلفاؤهم على الثور حتى حضر واضعا نفسه سلاحا بأيديهم يسترجعون به حكمهم الضائع فأنجز الإضرابات المتواصلة و الاعتصامات غير المنقطعة و إضرابات الجوع و قطع الطرقات الناقلة للبضائع و الركاب، و اعتدى على المسؤولين و استصغر السلطة جاعلا عمله هذا ممارسة يومية ظاهرها تحقيق جملة من المطالب الاجتماعية دفعة واحدة و توا (الآن).
على أن المطالبة بها بدأت منذ 60 عام دون تحقيق يذكر يضاف إليها و قد يعد بنودا منها : ترقية كل العمال و الموظفين و ترسيم كل عامل وقتي و الزيادة في كل الأجور و تمكين كل ابن عامل و موظف من منحة جامعية و تشغيل كل البطالين
... و الباطن تعجيز الحكومة و إفشالها و تحقيرها حتى تسقط . إن الثور الهائج المهيج لا يدري المسكين أن مهيجيه يريدون منه أن يدمر الثورة التي هي ثورته فيقضي على أمل شعب في الحرية و العدالة و الهوية و الكرامة، و يحققون تبعا لذلك مصلحتهم الطبقية الجهوية التغريبية الانبتاتية.
ألا ينطبق على الثور النقابي و رعاته و الثورة ما وقع للنبي عيسي "الذي طعنه جنود روما طعنات ثم سمروه على الصليب و الدم يتدفق منه على مرأى من كبار الدولة و أحبار اليهود المبتهجين بالمشهد الدموي تحيط بهم جماهير الشعب المشرئبة بأعناقها و المتطالة بأبصارها على المصلوب فرحة بمنظر الألم تافلة على الوجه المتكمش بأوجاعها و أحزانها هازئة باليدين اللتين فتحتا عيون عميانها صارخة شماتة و سخرية في الأذنين الممتلئتين بأناتها" ...
و يختم ميخائيل نعيمة قائلا:"تتجلى في حاضري الصلب الإنسانية بأسرها أسياد يخافون على قيود عبيدهم من أن تنفك فيشدونها بكل ما لهم من القوة و عبيد يعضون اليد التي تحاول فك قيودهم لأن أسيادهم أوهموهم أنه يوم تنحل قيودهم تنحل
واثُوّاراه ! إن الثور بعضكم أو بالأحرى منكم و البعض قد تلتبس عليه الأمور أو قد يجعلها سادته ملتبسة في ذهنه فيسير أو يسير في الاتجاه المعاكس للتاريخ و لمصالحه و مصالح وطنه ’ فيجب حينئد على الثوار الأحرار المصطفين أن يحصنوا ثورتهم بصد أعدائها و تنبيه أبنائها و توعيتهم بخطر تحميل الثورة’ وهي مازالت تحبو’ ما تنوء بحمله الجبال ’ إن الثوري لا يكون ثورا لأنه حر عاقل كريم و الثور مملوك غير عاقل مركوب عليه و محروث به :
كما الثور يضربه الرعيان***و ما ذنبه أن تعاف البقر؟