ولئن تعود اليهود على الحج السنوي لمعبدهم في جربة, فإن الزيارات التي نظمت أخيرا لهذا الضريح بجهة نابل تمثل شيئا جديدا, حيث تعد هذه المرة الأولى التي تقام فيها مثل هذه الزيارة التي يزمع القائمون عليها إلى تكرارها سنويا, في ما يشبه إعطاء الانطباع أن لهم وجودا تاريخيا في مختلف أرجاء تونس, يمكن أن يتطور إلى ادعاء بوجود حقوق.
ويعتبر اليهود من ابرع الناس في اختلاق الجذور لهم في كل ارض يحلون بها وافتعال الأساطير في ذلك, فوجودهم المصطنع بفلسطين المحتلة أو ما يطلقون عليه "إسرائيل" ناشئ أصلا من مزاعم أن لهم جذور تاريخية هناك, كما أن اليهود بارعون في عمليات التوسع, حيث تظهر تجاربهم التاريخية كما حدث في فلسطين أنهم يبدؤون بشراء الأراضي بشكل بريء بدون جلب انتباه الناس, ثم يتوسعون وبعدها يقيمون مستوطنة وحينها يبدؤون بالمطالبة بالحقوق التاريخية التي لن يتعبوا كثيرا في اختلاقها.
الأضرحة اليهودية كمقدمة نحو المستوطنات:
سنسوق هنا تجربة لليهود مع إحدى القرى المصرية, حيث انطلقوا من ادعاء وجود ولي صالح لهم بتلك القرية, وبعدها توسعوا شيئا فشيئا في تطبيق حرفي لمنهاجهم: ادعاء وجود ولي, البدء بزيارات صغيرة بالعشرات, شراء أراضي محيطة, إقامة مستوطنة عن طريق التوسع ببناء نزل ومرافق إقامة ومنشآت, وأخيرا المطالبة بحقوق سياسية و ربما ترابية في تلك المنطقة, وحين ترفض تلك الدولة كما فعلت مصر تجد أن الوقت قد فات ويقع تأليب الرأي العالمي وبعض المنظمات الدولية ضدها. كل هذا ما كان ليحصل لو أغلق باب الشر منذ البداية.
يتعلق الأمر بضريح "أبو حصيرة" وهو رجل دين يهودي من جذور مغربية, توفي منذ مائتي سنة تقريبا حين مروره بمصر, والضريح مقام بقرية "دميتوه" الواقعة في محافظة البحيرة شمال مصر. ومنذ عام 1978 عقب توقيع اتفاق كامب ديفيد بدأ الصهاينة اليهود يطلبون رسميًا تنظيم رحلات دينية إلى قرية "دميتوه" للاحتفال بمولد أبي حصيرة المزعوم أنه "رجل البركات"، و الذي يستمر قرابة 15 يومًا بين 26/12 و لغاية 2/1 من كل عام، وبدأ عددهم يتزايد من بضع عشرات إلى بضع مئات ثم بالآلاف يفدون كل عام من الكيان الصهيوني وأمريكا وبعض الدول الأخرى، حتى بلغ عددهم قبل عامين قرابة أربعة آلاف، برغم احتجاجات الأهالي على تصرفات الزوار الصهاينة، وتحويلهم حياة الفلاحين في هذه القرية إلى جحيم.
يبدأ الاحتفال غالبا يوم 25 (ديسمبر) فوق رأس أبي حصيرة؛ حيث يُقام مزاد على مفتاح مقبرته، يليها عمليات شرب الخمور أو سكبها فوق المقبرة ولعقها بعد ذلك، وذبح تضحيات غالبًا ما تكون خرافًا أو خنازير وشي اللحوم، والرقص على بعض الأنغام اليهودية بشكل هستيري وهم شبه عرايا بعد أن يشقوا ملابسهم، وذكر بعض الأدعية والتوسلات إلى البكاء بحرقة أمام القبر، وضرب الرؤوس في جدار المبكى للتبرك وطلب الحاجات، وحركات أخرى غير أخلاقية.
شهدت المقبرة بعض التوسع مع تزايد عدد القادمين، وتم كسوة الضريح بالرخام، والرسوم اليهودية، لاسيما عند مدخل القبر، ثم بدأ ضم بعض الأراضي حوله وبناء سور، ثم قيام منشآت أشبه بالاستراحات، وهي عبارة عن غرف مجهزة، واتسعت المقبرة من مساحة 350 مترًا مربعًا إلى 8400 متر مربع, وقد سعوا أيضًا إلى المزيد, حيث أرادوا شراء خمسة أفدنة مجاورة للمقبرة بهدف إقامة فندق عليها؛ لينام فيه الصهاينة خلال فترة المولد، بيد أن طلبهم وقع صده, حيث رفض أهالي القرية رفضا قاطعا التعامل مع اليهود أو بيعهم مزيدا من الأراضي بعد أن انتبهوا لمخططاتهم الشريرة, وذلك رغم الأثمان المرتفعة المقترحة.
وبدأت التبرعات الصهيونية تنهال لتوسيع الضريح وتحويله إلى مبكى جديد لليهود الطالبين الشفاء أو العلاج من مرض، حتى أن حكومة الكيان الصهيوني قدمت معونة مالية للحكومة المصرية طالبة إنشاء جسر يربط القرية، التي يوجد بها الضريح بطريق علوي موصل إلى مدينة دمنهور القريبة؛ حتى يتيسر وصول الصهاينة إليها، وأطلقوا على الجسر أيضًا اسم أبو حصيرة، ومع الوقت تحول أبو حصيرة إلى مسمار جحا للصهاينة.
فيما يحرص الكيان الصهيوني على لفت الأنظار إليهم، وتضخيم الاحتفال إلى درجة استقدام طائرة خاصة إلى مطار الإسكندرية تحمل وفدًا كبيرًا من حاخامات الصهاينة، ومعهم أحيانا وزير الأديان والعمل، وأعضاء من الكنيست.
و بتاريخ 2/10/2004: يخرج وزير الخارجية الصهيوني 'سيلفان شالوم' بطلب غريب من نظيره المصري 'أحمد أبو الغيط' خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد في القدس المحتلة، يدعو فيه مصر بالعمل على رفع قراراها السابق بشأن منع الصهاينة من زيارة ضريح أبو حصيرة، حيث كانت مصر قد أصدرت قرارًا سابقًا بأن لا تزيد الاحتفالات الصهيونية وعمليات التأبين للحاخام المزعوم عن 75 شخصًا.
و يرى البعض أن اليهود يحاولون إقامة مستعمرة لهم في كل منطقة وجد فيها يهودي عبر التاريخ, و من ثم الادعاء أن لهم حقوق تاريخية, لتكون نقطة ضغط وانطلاق يستغلونها لفائدتهم ولو بعد حين.
جدير بالذكر أن تونس بها منظمة تقول عن نفسها إنها تعنى بمقاومة الأنشطة التطبيعية والاختراقات الصهيونية, وقد تحركت أخيرا وأصدرت بيانا تندد فيه بعمل تطبيعي مع الصهاينة قامت به إحدى الصحف التونسية.
ولكن باستثناء بعض البيانات الدورية الهزيلة, لا يعرف أي عمل آخر يذكر لهذه المنظمة لرصد أو التصدي لمحاولات الاختراق التي يقوم به الصهاينة لتونس, عكس منظمات مقاومة التطبيع في الدول العربية الأخرى التي تقوم بأنشطة كثيرة ومميزة كما هو الحال في المغرب و مصر والأردن.
استغلال اليهود لأسطورة "أبي حصيرة" بمصر 1
استغلال اليهود لأسطورة "أبي حصيرة" بمصر 2
استغلال اليهود لأسطورة "أبي حصيرة" بمصر 3
استغلال اليهود لأسطورة "أبي حصيرة" بمصر 4
خبر حج يهود لضريح بجهة نابل