ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أبا الحَسَنِ الندْويََ، والروحُ مثقل ٌ =
بكلِّ عوادِي الحزنِ والقلبُ ينْزِفُ
وقد فاضَ دمعي من تواصُلِ محنتي =
فمـا أوقفَـتْ همِّي مدامعُ تذرفُ
فصـرْتُ كيانًا ضائعًا فـي متاهةٍ =
تَهُبُّ عليهـا الناكـباتُ، وتعْنُفُ
أأرثيكَ؟ لكنْ مَـنْ أعـزِّي، وإنني =
قصيرُ مدَى الأشعارِ، والكونُ يَرْجفُ؟(1).
ففي الأرض من هولِ الفجيعة، مأتم ٌ =
تُقيمُ بـه الأحزانُ حَـرَّى.. وتعكفُ
مشارقُ تبكـي يُتْمها، ومغـاربُ.. =
وقد غِبْتَ عنْها، والنوازلُ تقصف
وإنك يـا ندْويُّ بالحـق أمَّـةٌ.. =
إمـامٌ جليـلٌ، زاهــدٌ، متعفِّفُ..
أتتركنا والقدسُ في أسر عُصْبَةٍ =
تزعَّمَها لصٌّ.. بغـىٌّ.. مزيفُ
**********
وهذي شعوبُ المسلمين وأرضها =
أبـاحَ حماهـا غادرٌ.. مُتصلِّف
تجبَّرَ فيها قـادةٌ مـن صَنيعِه =
إذا وعدُوا خانوا، وخابوا، وأخلفَوُا
وإما اشرأبّتْ للخلاصِ رقابُها =
فليسَ لهـا إلا حبالٌ وأسْيُفُ(2).
وأهلُ النفاقِ النذلِ سادُوا وعربدوا =
وهمُّهمُو مالٌ، وجنسٌ، وزخُرف
سلاحُهُمو الإفكُ الكذوبُ، وإنهم =
بكل سَلولىِّ المناهج.. أعرفُ(3).
فقالوا لأضْرى القوم في البخل "حاتمٌ" =
ومَنْ فاقَ في قبح الملامح "يوسُف"
وقالوا لرأسِ الجبن إنك "عنتر" =
وَمَنْ قد عَداه الحلمُ والعفوُ "أحنفُ"(4).
وأنَّ الذي خانَ القضية "مخلِصٌ" =
وكـلَّ ظلومٍ فاسـدِ الحُكْمِ "مُنصِفٌ"
ضمائرُ مِـنْ عِهْنٍ تُباع وتشتَري =
نمتها قـلـوبٌ بالـرذائِل غُـلَّف
**********
سِجُلكَ ـ يا ندْويُّ ـ بالنورِ ناطقٌ.. =
وإن سـجـلَّ الآخـرين.. تكَلُّف
ضربتَ كما ضْربِ الكليم، ففُجِّرتْ =
عيونٌ عن السحر الحلال تكَشَّفُ(5).
ومشربهـا عـلْم غنيٌّ يرومـهُ..=
وينهلُ منـهُ الظامـئ المتلهِّـف
فعينٌ تُروِّى الروح َبالكلمِ الذي =
يُنقِّي مـداها باليقين.. ويُسْعِـف
وعينٌ لفقهٍ صادق.. متسامح =
جليل العطايا لـم يكـنْ يتعسَّفْ
فما كان دينُ الحقِّ إلا تـوسُّطًا =
وقصدًا، وعـدلاً لم يَشُبْهُ تَطرُّف
وعينٌ لدستور الدُّعاة إلى الهدَى =
يَخطَ إلى الحقِّ الدروبَ.. ويَزْلفُ
يـردُّ سهامَ الكائديـنَ لنحرهمْ.. =
وفيهـم دَعيُّ العلْـمِ والمتفلسـفُ
وعـينٌ لآدابِ يِعِزُّ نظيرُهـا.. =
كمثل نَدىَ الأسحارِ، بل هي ألْطفُ
وعلّمْتَنا أن الفنـونَ رسالـةٌ.. =
مـن الأفق الأعلى تعُبّ وترشِفُ
تَشيدُ وتُعلي فـي بيانٍ مؤثرٍ.. =
سَمَا منْهُ تصويرٌ وفكـرٌ وأحْرفُ
تنزَّه عن طَمْثٍ يسمى "حَداثةً" =
ومـا هـي إلا فتنـةٌ.. وتخلفُ
وأهْدَيْت أبناءَ العروبةِ ـ صادقًا =
"روائعَ إقبالٍ" كما اللحن يُعْزَفْ
وعيبك ـ يا إقبالُ ـ إنك مسلمٌ.. =
ولو كنت بوذيًّا.. لهامُوا وأزلفُوا
**********
قرأتُك يا ندْويُّ بالأمِـس يافِعًا =
وكهلاً وشيخًا.. بالمعارفِ يُشْغَفُ
وعشتُكَ في سُؤْلٍ عن العالم الذي =
هوىَ "بانحطاط المسلمين" يُخرِّفُ
حضارتُنا بالأمس قادتْ مسارَهُ =
ومن نورِها تَخْزَى الشموسُ وتكْسَف
فقامتْ ثقافاتٌ، وعمَّتْ عدالـةٌ =
ومنبعُها القدسيُّ عـزمٌ ومصحفُ
فلما جفونْا شرْعنا هانَ أمْرُنا.. =
كأنا غثاءُ السيل، بل نحنُ أضعف
وفي أدبِ الرحْلاتِ قدَّمْتَ رائعًا: =
رُؤى ودروسًا باليقين.. تّعـرِّف
سياحاتِ حقٍّ قد طويْت بها المدى =
من الشرق والغربِ البعيد تُطوِّفْ
إلى الله تدْعـو، والظلامُ معربدٌ =
وكـلُّ غـوِيٍّ بالمفاسـدِ يهتفُ
وضَمَّرها الحزنُ الأليمُ.. لأمَّةٍ=
غدت في قيود الجهلِ والذل ترسفُ
وعشْتَ بقلب ساعرِ النبضِ مؤمنٍ =
يُخيفُ الأعـادِي، وهـو لا يَتَخوَّفُ
يفيضُ به الإصرارُ والحقُّ والسَّنا =
مَضَى فـي سبـيل الله لا يَتوقّف
فكنتَ رفيع الرأسِ كالطودِ شامخًا =
وفي كلِّ جُلَّى لم يَهُنْ لك موْقف(6)
وآثرت عن دنياك أخرى زهادةً=
وعشتَ كَفافًا، لم يشدّك زخرفُ
كمثل أبي حفص بعام "رمادة"=
يجوعُ ويمضي للجياع ويَغْرِفُ(7)
فمـا كنت "يا ندْويّ" إلا بقيَّة =
مـن السلفِ الميمونِ للحقِّ تهدِف
**********
"أبا الحسن الندْويَّ" يلقاكَ سيدي =
"محمدُ" خيرُ المرسلين.. وأشرفُ
فبلِّغْه عنا فـي الجنان رسالةً =
بأنا ـ دعاةَ الحقِّ ـ لا نتوقف
وأنـا رصْدنا للإلـه جهادَنـا =
ليُقْهَرَ عـادٍ، كـافرٌ، متغطرِف
وننصرَ دينَ الله أنّي توجهتْ =
كتائبُنـا، لا يعترينـا تخـوّف
وكيف نهابُ الموتَ، وهْـو شهادة =
وفينا اشتياقٌ نحـوهـا وتلهفُ
وكـل شهيدٍ فـي الجنـانِ مخلَّد =
يعيش نعيمًا غامرًا ليس يُوصف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يرجف، يهتز ويتزلزل.
(2) اشرأبت: امتدت وتطلعت.
(3) سلولي: نسبة إلى عبد الله بن أبي بن سلول راس النفاق.
(4) الأحنف: بن قيس: أشهر العرب في الحلم.
(5) إشارة إلى قوله تعالى: (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا قد علم كل أناس مشربهم...) (البقرة: 60).
(6) الجلي:الأمر الخطير العظيم.
(7) عام الرمادة سنة 18هـ. وفيه كانت أشد مجاعة عرفها المسلمون