شعرت بشيء من الراحة النفسية تنتابني مع كثير من المرارة التي لم تفارق حلقي حتى بعد إتمام هذه الأسطر. ما زال الوقت مناسبا يا سيادة الرئيس " المنصف المرزوقي" وأرجوك أن تتأمل في الاسم الذي تحمله " المنصف" ولا أظنك إلاّ كذلك. سيدي رئيس الجمهورية أناشدك أن تقرأ قول الله تعالى في الآية 6 من سورة التوبة:" وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ". سيدي رئيس الجمهورية، إن كان هذا حال المسلم مع من يستجير به من الكافر، فما بالك بمسلم؟
سيدي الرئيس، ألم تكن بالأمس "لاجئا سياسيا" بفرنسا التي رفض رئيسها تسليمك للنظام التونسي، الغاشم الذي كان يلاحق معارضيه في كل أصقاع الدنيا. كيف يسمح حقوقي أصيل في مقامك، لنفسه أن يكون أقل مرتبة من الفرنسيين في سلم الكرامة الإنسانية؟
سيدي الرئيس، أنا لن أعود في هذه المناشدة إلى الماضي السياسي السيد "البغدادي المحمودي"، فمهما كان سيئا ودمويا (وأنا لا أعلم )، فإنه كان نتاج منظومة فساد، شملت العالم العربي كلّه؛ وليكن، فالرجل استجار بحمى الثورة التونسية، هذه الثورة التي ما كانت لتقوم لولا الظلم والقهر؛ ثورة منحها الله للعرب جميعا حتى يستعيد الإنسان كرامته ويحسّ بإنسانيته ولو لأيام قبل الموت.
سيدي الرئيس، أرجوك واستحلفك بالله لا تمضي على وثيقة التّسليم والرجل قد برأه القضاء التونسي العادل من التّهم المنسوبة إليه، والكل يعلم أن قرار استمرار حبسه هو قرار حكيم، لحماية سلامته الجسدية ومنحه قليلا من الطمأنينة النّفسية وهو خلف جدران سجن المرناقية.
سيدي الرئيس، أرجوك أن لا تمضي وثيقة التّسليم، فإنها وثيقة ستلحق بالثورة التونسية وبالتونسيين العار، كل العار وستظهرنا كشعب جشع، لا ذمة له ولا عهد ولا أمان، أ من أجل حفنة من المال بعض العقود (التي قد لا تفي بها الحكومة الليبية لعجزها عن حلّ مشاكلها الداخلية)، نمكن الشّامتين فينا في الدّاخل وفي الخارج أن يقولوا فينا ما قاله الله تعالى في سورة الآيات الفجر 19/20: " وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا".
سيدي الرئيس بعيدا عن كل الحسابات السياسية وغير السياسية، اسمح لي سيدي أن أنّبه حكّام تونس العزيزة، إنّ الذين يطالبون باسترجاع السيد المحمودي يعلمون علم اليقين حكم الله في المسألة وهم إن أصرّوا على ذلك فلأن في مخيالهم مرض. لقد عاشوا في بلادنا إخوة مكرمين، مبجلين ورغم مواقفنا معهم في السرّاء والضرّاء، ما انفكوا لحظة عن احتقارنا لاعتقادهم أن التونسيين يبيعون آباءهم من أجل المال. وللأسف الشديد، فإن في مرضهم شيئا من الحقيقة التي لا ينكرها عاقل، خاصة وأنّ العديد من بني جلدتنا لم يتورعوا عن فعل ذلك، في كل المجالات...
سيدي الرئيس، أناشدك الله أن ترقى بثورة الكرامة عن لوثة المال والأعمال... أناشدك سيدي الرئيس أن تأخذ بيد تونس والتونسيين إلى أعلا دوائر الشرف الإنساني أولا والثوري ثانيا. سيدي الرئيس، التاريخ لم يرحم السابقين ولن يرحم اللاحقين، وإنّي أخشى على سمعتكم، وأنت رئيس كل التونسيين وجزء من تاريخ تونس الرّاهن، بعد أن منّى الله عليكم بدخوله من بابه الواسع، فلا تضيقوه على أنفسكم بأنفسكم.
سيدي الرئيس، مع كل احترامي وتقديري لكل القادة العرب، أسأل نفسي هل نحن أقل شهامة ورجولة ممن يصفهم العالم بالرجعية والتّخلف (وهذا ليس رأيي)؟ وعلى رأي أبي حنيفة "هم رجال ونحن رجال"، لهذه الأسباب الدينية والأنثروبولوجية رفضوا تسليم الرئيس المخلوع الذي احتمى بحماه ولن يسلموه أبدا وسيدفن بأراضيهم المقدسة ولن يمكنوا التونسيين لا من جثمانه ولا من رفاته ولو بعد حين.
سيدي الرئيس، يا من تنازلتم عن جلّ مرتبكم الرئاسي للفقراء والمساكين، جنّبوا تونس أم الربيع العربي وأنفسكم وصمة لا ولن تمحوها الأيام. مع فائق عبارات التقدير والاحترام والمحبّة والســــــلام.
الإمضاء: الدكتور صالح المازقي
أستاذ علم الاجتماع بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس