و بعد الثّورة ... و بعد سقوط الدّيكتاتورية ... و انحسار سلطة بعض الإدارات... و موجة الحرّية التي بدأتُ أدرك أنّها لغير أهلها في بعض الأحيان... تمرّدت المقاهي على تلك القوانين البلديّة و غير البلديّة، كما تمرّدت على المنطق ذاته... فأصبحنا نرى كلّ يوم مقهى من المقاهي يغتصبُ مجالا ليس ملكه... و نشاهد كلّ يوم شكلا من أشكال التّعدّي على الغير... فهذا مقهى استعمر كلّ الفضاء المخصّص للعمارة التّي يوجد بها رغم أنف متساكنيها... و هذا مقهى آخر أدخل "بُرطال" العمارة قسرا في أملاكه و حوّل أبوابه أمتارا إلى الخارج... و هذا مقهى هناك تعدّى على" البرطال" و على الرّصيف عنوة، حتّى أنّك لا تستطيع استعماله في مشيك سواء كنتَ وحيدا أو في مجموعة أو كنتَ شيخا أو إمرأةً، فتجد نفسك مجبرا إذا دخلت مجال ذلك المقهى الواسع، على النّزول إلى المعبّد. مع ما يحيله ذلك من خطر و من اختناق لحركة المرور... و هذا مقهى آخر "قاللهم اسكتوا"... حيث أنّه استعمر "البُرطال"... ثم هجم على الرّصيف فأراداه أرضا... قبل أن يفتك بالمعبّد... نعم بالمعبد ... واضعا عليه حدودا من شاكلة مزهريّات إسمنتيّة كبيرة ... و أصبح كلّ ما في داخل الحدود ملك له يستغلّه دون حياء.
لكن المخجل حقّا، هو أنّي و إلى حدّ كتابة هذه الأسطر، لم أسمع بغرفة أصحاب المقاهي قد أصدرت بيانا أو توجيها لمنظوريها بضرورة احترام القانون و احترام غيرهم من المواطنين. و لم أسمع أنّها نظّمت حملةً لإرجاع الملك العمومي للعموم... و لم أسمع أنّها استنكرت هذه التّصرفات الأنانيّة من قبل منظوريها...
فهل وصلنا إلى حدّ هذه الأنانيّة المفزعة؟ و هل يجب أن تُعاملنا السّلطة بغلظة حتى نخلّي حقوق غيرنا؟ و لا نستحوذ عليها؟ و إذا أردنا أن نطرح السّؤال بأكثر شموليّة، فهل خطأ إذا تساءلتُ... هل نستحــــــقّ الحريّة؟