كما كان المترشحون لها أحزابا و مستقلين كثرا، أما مشاريع هؤلاء المترشحين فيمكن اختزالها في مشروعين : مشروع "بورقيبي" فاشل مرت عليه أكثر من 50 سنة يراه المدافعون عنه سرا غالبا و جهرا أحيانا أنه لا ينقصه غير شيء من الديمقراطية ...هذا المشروع اقتنع به و اجتمع عليه يساريون و بورقيبيون و بن علويين و رجال أعمال و كبار فلاحين و عقاريين و كل من يرى أن لا مستقبل خارج العباءة الفرنسية.
و مشروع "جديد" يستمد روحه من زعماء إصلاح تونسيين زيتونيين و علمانيين رأوا أن تونس عربية إسلامية و أن مصيرها مرتبط بالشرق الأوسط و إفريقيا و الشرق الأقصى و آسيا عامة أكثر من ارتباطه بأوربا و أن مجالها الحضاري ثلاث حلقات أساسية: المغرب العربي و الأمة العربية و الشعوب الإسلامية و أن التعامل مع أوربا ضرورة بشرط أن لا يكون على حساب استقلال البلاد و ثرواتها و كرامتها و تطورها .
و أفعم الشعب التونسي صناديق الاقتراع بعصارة عبقرية جمعية رأت ، وهي صائبة لان الشعب لا يخطئ ، أن المشروع النهضوي التاصيلي التحديثي الاجتماعي المقؤى بمشروع قومي تحديثي ديمقراطي مدني المسند بمشروع يمكن وصفه بذي التوجه الغربي الواضح هو الحل لقضاياه المزمنة و الباب للولوج إلى التاريخ و المستقبل.
غير أن اليسار بأصنافه و الفرانكفونيين و عامة العلمانيين و بقايا نظام المخلوع سفهوا الشعب ، كعادة أستاذهم الأكبر، لأنه رمى مشروعهم في سلة المهملات إذ قام منذ 1955 على العسف و التغريب و الترهيب و سلب الهوية و الأقلية والشماتة و التشفي و إرضاء الحامي الفرنسي، دون أن يعي أن ما اختاره الشعب هو الصواب لأن عقله ليس عقل فرد إنما هو عقل ملايين و أن ما أراده واقع لا محالة... و أن على العاقل الملفوظ من الشعب أن يدرس الأسباب التي جعلت هذا الشعب يلفظه لا أن يتهمه بعدم التكليف و السفه و الأمية و "السرحة" كما قال احد اليساريين مخاطبا عبر فضائية تونسية أستاذا يساريا سقط في الانتخابات : كيف تسقط أنت و ينجح راع أو بائع قمح ؟ !
إن البلاد في حاجة إلى يسار يراجع أطروحاته و مطلقاته الفكرية باستمرار على ضوء حركة الفكر السياسي والاقتصادي و الاجتماعي العالمي و حراك المجتمع الأم المتعدد الوجوه و يحرق معجمه المحشو بألفاظ السب و الشتم التهم و يقطع مع أسلوب الأصوات الحادة و الدوى المزعج و يؤمن قاطع الإيمان أن دكتاتورية البروليتاريا أو بالأحرى دكتاتورية زعماء الماركسية انتفت من العالم و حل محلها الديمقراطية أو حكم الشعب نفسه .