ويضيف: من هذا المنطلق نقرر أن رفض أهل الإسلام لاتفاقاتٍ مع أعداء الإسلام المغتصبين لبلاد المسلمين، والتي تقرر حقهم في أرض المسلمين وأن يعلو عليها كلمة الكفر إلى الأبد، وأن ينشأ أبناء الإسلام على أن وجودهم بهذه الصورة هو وجود حق وعدل ووعد تاريخي، وليس وجود بغي وظلم إن عجزنا عن إزالته اليوم لم نفقد عزيمتنا ولا عزيمة أبنائنا وأحفادنا عن إزالته غداً، موضحا أن هذا الرفض نابع من نصوص قرآنية قاطعة تحدد علاقة المسلمين بغيرهم وتبين نظرتهم للأرض كلها خاصة أرض الإسلام وخاصة الأرض المقدس.
لم يقف الشيخ برهامي عند هذا الحد من الانتقاد لموقف الإخوان الجديد وقتها بل قال ما نصه: نرى في مثل هذه التغييرات في الموقف كيف يَحُول الله بين المرء وقلبه، فيتخبط بين الحق والباطل، وينطفئ نور البصيرة حتى ينعدم التمييز بين ما يصلح أن يقال أو يعرض، وبين ما يكون في قوله أو عرضه تعريض لإيمان الإنسان للخطر، وزلزلة لهويته وولائه وانتمائه.
وفي مقال آخر نشر منتصف عام 2010 جدد برهامي صراحة دعوته إلى التخلي عن معاهدة السلام مع إسرائيل وداعيا إلى الامتناع عن تصدير الغاز حسب الاتفاقيات التي أبرمها نظام الرئيس السابق حسني مبارك كما دعا إلى إنشاء جيوش مسلمة قوية لا تعتمد في تسليحها وتدريبها على الأعداء فيقول ونحن إذ نعلن براءتنا من اليهود ومَن والاهم، ومن أفعالهم نرى أن من واجب المسلمين وحكوماتهم ما يلي:
1- مناصرة المسلمين المحاصرين في غزة وإمدادهم بكل أنواع المساعدات.
2- العمل على إيجاد جيوش مسلمة قوية قادرة على الدفاع عن بلاد المسلمين، ولا تعتمد في مصادر تسليحها وتدريبها وتخطيطها على الأعداء.
3- العمل بكل طريق لإخراج جنود الكفار -وقواعدهم العسكرية من جميع بلاد المسلمين- من الأمريكان وحلفائهم حلفاء اليهود ومسانديهم في عدوانهم
4- سحب الأرصدة المالية الرسمية والخاصة من البنوك الربوية الأمريكية والأوروبية وعامتها يهودية، وبورصاتهم واستثمارها في بلاد المسلمين .
5- منع الوقود والغاز من الوصول إلى اليهود وحلفائهم.
6- نفض اليدين تمامًا من دعاوى السلام والمفاوضات والمبادرات بأنواعها بما فيها حل الدولتين؛ لأن ذلك فيه إقرار بحق اليهود في أرض فلسطين، وهي ليست ملكًا لأحد حتى يبيعها لهم بالثمن البخس، بل هي أرض الإسلام والمسلمين في كل مكان، وإعداد الأمة ليوم مواجهة آت لا محالة، وأول ذلك الإعداد الإيماني التربوي لأبناء الأمة والبعد عن إلهائهم بالملهيات والتوافه، وكل هذه الامور يمكن العمل بها لو تحققت الإرادة، وما لا يمكن في وقت من الأوقات من البعض يجب عليه السعي إليه واتخاذ الخطوات المؤدية إليه، وليس السير في عكس هذا الاتجاه والتعلل بالعجز والضعف الذي يزيدنا ضعفًا وعجزًا.
وإذا كانت جماعات ليست ذات جيوش نظامية وبتسليح محلي محدود قد أرهقت جيوش الأعداء متحالفين، وجيوش الاحتلال بكل عتادها وعددها عند وجود الإرادة السياسة؛ فكيف بالدول؟ إلى هـنا هنا تبدو الأمور معقولة فمن حق الشيخ برهامي أن يعتقد أو يدعو لما يشاء ومن حقه أن يعتب على من شاء وأن يختلف كيفما أراد، كما أنه من حقه أيضا أن يتراجع أو يراجع آراءه أو قناعاته وفقا لما قد يستجد من أمور أو ما قد يراه من قبيل المصالح والمفاسد مثلما نقض موقفه السابق في أغسطس الماضي في مقابلة مع قناة الجزيرة مباشر مصر خلال استضافته في برنامج سياسة في دين وقع حيث قال إنه ليس من مصلحة مصر إلغاء معاهدة السلام (كامب ديفيد) مع تحفظه على بعض بنودها مراعاة لمصلحة البلاد في هذا التوقيت الصعب إلا إذا اضطرننا إلى ذلك موضحا أنه لو دفع المصريون دفعا فإن هذا الأمر سيكون ليس باختيارهم.
لكن السؤال الذي يظل مطروحا هل موقف الشيخ ياسر برهامي الجديد يمثل تضاداً مع ثوابت الدعوة السلفية ومواقفها السابقة التي عرضها الشيخ؟ وهل يمكننا اعتبار ذلك خللا في الموازين مثلما وصم الدكتور العريان ؟!! وهل يمكننا القول بأن الله حال بين الشيخ وقلبه، فتخبط بين الحق والباطل، وانطفئ نور البصيرة حتى انعدم عنده التمييز بين ما يصلح أن يقال أو يعرض، وبين ما يكون في قوله أو عرضه تعريض لإيمان الإنسان للخطر، وزلزلة لهويته وولائه وانتمائه، بحسب ما جاء في معرض انتقاداته للدكتور العريان؟
شخصيا اعذر الشيخ الفاضل الجليل ياسر برهامي لأن من يده في النار ليس كمن هو خارجها، فليس أسهل من التنظير والرؤى الوردية المفعمة بالأحلام والطموحات التي لا تنتهي، لكن الواقع السياسي يفرض شيئا آخر سواء في هذه القضية أو غيرها ولا يعني ذلك التفاف على الثوابت أو تقديم تنازلات وهو ما قد لامسه الشيخ بنفسه من خلال أول ممارسة له بعد انخراط جماعته في العمل السياسي عقب ثورة 25 يناير فراجع عددا من مواقفه السابقة في هذه المسالة وغيرها من المسائل، فما قد يراه البعض تنازلات، ليس إلا كالمضطر الذي يأكل لحم الميتة والمتردية والنطيحة لينجو من شبح الموت، لكن من لم يجرب الموت جوعا ربما لام آكل الميتة وعنفه وطالبه بالصبر حتى يجد يعثر لحم حلال، وليس ذلك بطبيعة الحال معناه أن الموافقة على استمرار معاهدة كامب ديفيد درء لمفاسد لا تحتملها البلاد في الفترة الحالية هو حبا في تلك (الميتة).
وختاما: لم أورد هذا المثال بهدف الدفاع عن الدكتور العريان أو الهجوم على الدعوة السلفية وإنما للدلالة على أهمية الدور الذي يلعبه السلفيون والتيارات الإسلامية الأخرى حاليا بعد انتهاء العزلة الإجبارية والاختيارية وللتأكيد على أن ما يفرزه مناخ الحرية السياسية والاجتماعية من حالة مراجعات هي حالة صحية تنعكس على الإطار الاجتماعي والثقافي والسياسي والديني العام، من شأنها إزالة الكثير من الرؤى الضبابية وتقريب الكثير من وجهات النظر البعيدة.
---------
عمر غازي
كاتب مصري وباحث بـ "مركز الدين والسياسة للدراسات"