ما يحدث بليبيا يعد نموذجا مكررا لما حصل بالعراق، حيث يتدخل الغرب عسكريا ضد دولة عربية بطلب و تواطؤ من شق من معارضي نظام تلك الدولة.
الجديد في حالة ليبيا، أن التدخل الغربي (1) وقع بزعم مساندة ثورة الشعب الليبي، وهو ما يهدف إلى الإيحاء بالأمور التالية:
- أن الغرب يدعم تحرر الشعوب العربية، وهذا أمر معروف فساده، حيث لطالما احتلنا الغرب و ما فتئ يسعى لتكريس استعبادنا.
- أن الغرب له الحق في تقرير مصيرنا و مصالحنا، و هذا فضلا على أنه يشرع قبول وصاية الغرب علينا، فإنه يعني ضمنيا قصورا ذاتيا في تصريف شؤوننا.
الذين يقبلون تدخل القوى الغربية في شؤون دولة عربية بزعم التحرر من بطش نظام تسلطي ونيل الكرامة المفقودة، يحملون تصورات فاسدة لمفاهيم الحرية و الكرامة على السواء.
لا يفهم كيف يستقيم رفع شعار الكرامة مع القبول بان تتدخل قوى أجنبية ضد بلدك، فأي معنى لكرامة يقبل صاحبها بأن يكون أسدا ضد نظامه و نعامة مع الغربي؟
لا يفهم كيف يجتمع مبدأ الحرية و التحرر مع قبول كون أطراف أجنبية تقصف بلدك، فبأي معنى ترفض قصف نظامك مقابل ترحيبك بقصف الأجنبي لبلدك؟
إذا كانت الثورة في بعض معانيها ارتقاء لمبادئ عليا، و لما كان الاستنصار بالغرب أمرا مستنكرا و يأباه كل ذي مبدأ، فإن إنجاز ثورة من خلال تدخل طرف أجنبي ينزع عنها شرعيتها و ينزلها من مرتبة الثورة لمرتبة العمل الخياني. لاشك أن القذافي مجرم و هذا أمر لا جدال فيه، لكن كونه مجرما لا يعني قبول أن تصبح أكثر إجراما حين مقاومته.
من رأيي أن مساندي التدخلات الأجنبية ضد البلدان العربية، يعانون من تشوش ذهني ناتج عن غياب النظر بمبدئية للأطراف المعنية، وهي النظام العربي المستهدف و الأطراف الغربية المتدخلة.
المعارضة ضد نظام عربي إما أن تكون من أجل مصلحة خاصة أو من أجل مبدأ، إن كانت من أجل مصلحة فلا يوجد داع لتفضيل المعارضين على النظام الحاكم، فمصالحهم ومن يقف ورائهم ليست بأولى من مصالح النظام الحاكم بالنسبة للمواطن.
إن كانت المعارضة من أجل مبادئ، فهنا يجب لتقييم شرعية التدخل الأجنبي، النظر أولا في أمر التدخل ذاته و ثانيا في أمر الطرف الأجنبي، نسبة لمرجعيتك المبدئية.
أما تدخل طرف أجنبي ضد بلدك فأمر غير مقبول مبدئيا، و أما الطرف الأجنبي فينظر في تقييمه للقاعدتين التاليتين:
- أن الغرب الأصل فيه أنه عدو لي إلا أن يثبت العكس، فهو عموما كافر، و تاريخيا لطالما عمل في غير مصلحتي.
- أن ابن بلدي، الأصل فيه أني أواليه و أنه يواليني إلا أن يثبت العكس، فهو عموما مسلم و يجمعني به وطن واحد و مصير واحد.
ولما كان تدخل طرف أجنبي ضد بلدي أمرا غير مقبول، و لما كان المتدخل الأجنبي ممن ينتظر منه العداوة والضرر، و ممن يوجب الإسلام عدم موالاته لكفره، وممن يوجب التاريخ الاحتياط منه، ثبت بالتالي أن القبول بالتدخل الأجنبي دليل على خلل مبدئي.
و النظر المبدئي يفترض أن يكون مقدما على النظر المصلحي الوظيفي، وهو ما لم يقع للأسف حين التعامل مع التدخل الأجنبي في ليبيا، ولعل الذي يكرس غياب المبدئية في تناول الأمور، أن مواقف بعض محترفي إنتاج الفتاوى-المقدمون كقدوات و قادة رأي لعموم الناس- تنبني على النظرة الوظيفية عوض النظرة المبدئية، حيث يقولون أحيانا حقا و لكن في غير المقام المنتظر، أو لا يقولون الحق وقت الحاجة إليه، و إلا فهل أن القرضاوي الآن مثلا سيفتينا بوجوب قتل المهاجمين الغربيين لليبيا، بما أنه أفتى من قبل بقتل القذافي لتجاوزه في حق الليبيين، أم أن الغربي حينما يقتل المسلم لا حرج عليه مثلما كان مع الأمريكان حينما قتلوا العراقيين.
سيكون من الصعب على الشيخ القرضاوي إقناعنا بأن دماء الليبيين حينما يستبيحها الغرب أرخص من دمائهم حينما يستبيحها القذافي. وإذا كان ما يحرك الشيخ هو فعلا الغيرة على دماء المسلمين، فإنه يصعب تفهم عدم إصداره فتوى بوجوب قتل الخنازير الغربيين الين قتلوا إخوتنا بليبيا.
إذا كان مستبعدا إصدار الشيخ فتوى بوجوب قتل هؤلاء على إطلاقهم أينما كانوا بمختلف البلدان العربية، فهل يصدر القرضاوي فتوى بوجوب قتل المتورطين من الدبلوماسيين والعسكريين من رعايا فرنسا وأمريكا وبريطانيا؟ وإذا كانت مصالح الشيخ تمنعه من فعل ذلك، فهل يصدر الشيخ على الأقل فتوى تدعو الليبيين لقتل هؤلاء ممن يوجد على أراضيهم وهو الحد الأدنى للدفاع على النفس؟
ولما كان إصدار فتاوى، فاسدة لتناقضها، وتحولها لأداة وظيفية، أمرا مقبولا بل ومرحبا به، و لما كان ذلك يعني غياب التعامل المبدئي من قبل من يفترض فيه أن يكون قدوة، فإنه يفهم التشوش الكبير في تناول قضية التدخل الأجنبي و غياب المبدئية إزائها لدى عموم الناس.
----------
(1) بقطع النظر إن كان هذا التدخل حظرا جويا أو ضربة عسكرية