ثم إن الذي يلاحظ أنه مقابل تحركات أهل الباطل وجرأتهم في قذف منكراتهم حد التهجم على الإسلام والمطالبة بإبعاده من دائرة التأثير، فإن الذين يفترض فيهم الدفاع عن الإسلام والدعوة له، مصابون بدرجات من التخاذل والسلبية التي تجعل من طرح التساؤلات حول هذه الغثائية أمرا ملحا.
المسألة لا تتعلق بحزب أو بتيار سياسي معين، إنها غثائية ونظرة دونية للذات وانكسار يصيب مجمل التونسيين كلما تعلق الأمر بدينهم ولغتهم، إذا اعتبرنا أن كل تونسي مسلم معني بالدفاع عن دينه ولغته أمام المتهجمين عليها، وكل تونسي يعنيه الذود عن مبادئه أمام من يريد اقتلاعه منها، وكل تونسي معني بالتصدي لعمليات الاستهداف الثقافي التي يتعرض لها من طرف أدوات الاقتلاع والإلحاق بالآخر التي زرعت بين ظهرانينا طيلة نصف قرن.
عينات من ضعف المواقف ضد أهل الباطل
لفهم هذه النقطة، يمكن استعمال محدد مايجب ان يكون، وذلك لفهم غياب الفعل المفترض إيقاعه، وسأقترح بعض الأحداث التي كان يجب أن تثير ردود فعل قوية لو كان التونسي فاعلا.
- سيئ الذكر بورقيبة سخر من الإسلام ومن النبي صلى الله عليه وسلم وجاهر بذلك، وانشأ منظومة هي الأولى على مستوى العالم العربي عملت على اقتلاع التونسيين من ثقافتهم ولغتهم لإلحاقهم بفرنسا في عمل خياني بامتياز، ثم تجد رغم ذلك من يعده قدوة ورائدا. هذا الكلام لايستقيم إلا باحتمالين وهو أن هؤلاء إما أنهم لايفهمون أعماله تلك على حقيقتها وإما أنهم يعرفون ويوافقونه، وفي كلتا الحالتين فإن هؤلاء كان يجب التصدي لهم بكل قوة، إذ كيف يشاد بمثل ذلك المجرم، كيف يقع تسفيه رموز الكفر والخيانة عبر التاريخ ولايقع مثل ذلك مع بورقيبة ومن شايعه.
- تقام التشريعات بتونس المحاربة للإسلام من مثل قوانين العقوبات التي ترأف بالزناة، بل التي تشجع على الدعارة، وحيث تسن الإجراءات الراعية للزانية المنجبة من السفاح، مقابل سكوت التونسيين. يقام كل ذلك ولاتكاد تجد خطبة جمعة أو مقال صحفي أو برنامج إذاعي أو عمل تلفزي يتصدى لذلك.
- في الوقت الذي تظاهر التونسيون ضد كل شيء تقريبا فإنهم لم يتظاهروا ضد القوانين التي تخالف الإسلام، وفي الوقت الذي اعتصم التونسيون وأطالوا الاعتصامات للمطالبة بالزيادات في الأجور والمنح، فإنهم لم يعتصموا مطالبة بإلغاء قوانين وإجراءات تحارب دين الله وتحارب لغتهم وتمعن في إلحاقهم بالغرب. لم يعتصم التونسيون للمطالبة بالضرب على أيدي العابثين المنبثين بوسائل الإعلام والجامعات من أولئك الذي يروجون لمخططاتهم.
- من منكم سمع أن التونسيين تظاهروا ضد عمل فني اعتدى على دينهم ولغتهم رغم كثرة تلك الأعمال ببلادنا؟ من منكم سمع أن التونسيين تظاهروا ضد محاربة اللغة العربية بوسائل الإعلام التونسية وتشجيعها على اللغة الفرنسية بدل ذلك؟ من منكم سمع أن التونسيين تظاهروا ضد عمليات الإلحاق بفرنسا التي وقع تمريرها من خلال برامج التعليم؟ من منكم قرأ مقالا يطالب بأسلمة القوانين التي تخالف ديننا؟ من منكم قرأ مقالا يطالب بتفعيل اللغة العربية بوسائل الإعلام التونسية؟ من منكم قرأ مقالا يطالب باستقلال المنظومة التعليمية ببلادنا عن فرنسا؟
- لماذا يطالب التونسيون بمحاسبة المتورطين في الفساد المالي والسياسي ولايطالبون بمحاسبة المسؤولين الفاسدين ثقافيا والذين كانوا السبب وراء أدوات التدجين والإلحاق بالغرب تحت مزاعم الفن والثقافة؟ لماذا لايطالب التونسيون بمحاسبة المسؤولين الذين أجازوا عرض الأفلام والمسرحيات الجنسية بتونس وكل عمل استهدف ديننا وثقافتنا؟ لماذا لايطالب التونسيون بمحاسبة الذين أنتجوا أفلاما مسيئة لتونس وتلقوا تمويلات أجنبية؟
- كيف تقام منظمات بتونس تحارب الإسلام وتتلقى التمويلات الأجنبية لذلك وتتردد على السفارات الأجنبية، ولا يتحرك التونسيون للمطالبة بمحاسبتها؟ كيف تقوم منظمات بالدعوة لاستبعاد الإسلام من دائرة التأثير ولايتحرك التونسيون ضدها؟ كيف يجرأ حملة رايات التبعية الفكرية للغرب على المناداة برفض الثابت من الإسلام كمسالة الميراث، ولايتحرك التونسيون ولو بمظاهرة أو بكتابة بيان أو بعريضة ضد هؤلاء؟ ألهذا الحد هان على التونسيين دينهم؟ كيف تكتب العرائض وتقام الاعتصامات وتسيّرالمظاهرات ضد التافه من الأمور ولاتقام دفاعا عن مبادئنا وتصديا لمن حاربها؟
البرهنة على ضعف المواقف المتصدية لأهل الباطل
يمكن للبرهنة على هذه النقطة اعتماد طريقتين:
أولا: محدد الفاعلية إزاء تكون جماعات أهل الباطل، يعني انه مقياس نسبة للزمن المتعلق بتواجد هؤلاء على محور زمن تاريخ تونس، وهو مقياس يبدأ من الصفر حيث لم يتواجد منهم أحد في بدايات الاستقلال، وصولا لمجموعاتهم الآن.
ثانيا: محدد الفعل نسبة لأعمال أهل الباطل، وهذا المحدد يقيس ردود الفعل وفاعليتها ضد هؤلاء، فهو مقياس نسبة لزمن فعل احدهم بالتحديد، وهو بالحقيقة يحتوي على مستويين زمن رد الفعل وقوة رد الفعل، والزمن هنا يتعلق بتكون إحدى التنظيمات أو الأحزاب أو نشاط احد الصحفيين آو الممثلين من أهل الباطل، وذلك منذ بداية فعله هو بالذات وحتى الآن، وأما درجة قوة الفعل الذي هو حقيقة رد فعل على نشاط هؤلاء فهو يمكن أن يقاس بمقدار المنع من إكمال الفعل الكامن لدى ذلك الطرف المتصدي له، بمعنى يمكن قياس ردة الفعل ضد هؤلاء من خلال ماتحدثه تلك المواقف من إلغاء أو تأجيل لأفعالهم. لأن ردود الفعل لايمكنها أن تخلق فعلا مستقلا، فهي لا تخرج على أن تكون تابعة للفعل الذي تتصدى له، وعليه فأقصى ما يمكن أن ينجزه رد الفعل هو الحد من قوة الفعل المنطلق، ولايمكنه البتة أن تنشأ فعلا آخر. وحتى إذا افترضنا أن ردة الفعل ستكون من القوة بحيث تكون ذات اتجاه سلبي نسبة لصاحب الفعل الأصلي وهو شيء ايجابي لراد الفعل، فإن ذلك يبقى انجازا بفضل الذي قام بالفعل أولا.
إذا اعتمدنا المقياس الأول، فإنه سيظهر جليا ضعف دفاعات التونسيين عن دينهم وثقافتهم منذ الاستقلال، وذلك يثبت بالتأكيد المادي لوجود تنظيمات متنوعة تحارب الإسلام واللغة العربية بإشكال متفاوتة، منها الذي يجاهر بذلك ومنها الذي يعتمد طرقا ملتوية. ومما يفاقم من نتائج هذا المقياس أن الواقع بتونس يثبت غياب شبه كلي لأي تصدي لمحاربي الإسلام ورافعي رايات الثقافة الغربية، بل إن الواقع يؤكد أن هؤلاء مافتئوا يكسبون التونسيين لصفهم، مما يؤشر على فاعلية تحركاتهم.
أما المرور للمقياس الثاني، فذلك دليل في ذاته على سلبية الموقف بتونس إزاء عصابات الإلحاق الثقافي، لأنه مقياس يتعلق بمتابعة قوة الرد إزاء طرف متواجد ويحارب الإسلام، وهو دليل على عجز عن منع هؤلاء من التواجد ابتداء.
ولما كان الأمر يتعلق بالحديث عن قوة أهل الباطل المحاربين للإسلام والمنادين بعمليات الإلحاق الفكري بالغرب، فذلك دليل على أن الحديث يدور حول أطراف متواجدة فعلا، أي أن الأمر يتعلق بمواقف سلبية أساسا للمدافعين لايمكن في كل الحالات أن تلغي فعل هؤلاء المتصدى لهم. وهذا دليل آخر على ضعف مواقف التونسيين في مواجهة تلك الجماعات في هذا المستوى الثاني.
أقصى ما يمكن أن يكون من مواقف ايجابية ضد محاربي الإسلام ورافعي رايات الإلحاق بالغرب، هو جعل قوة أفعالهم معدومة، بمعنى أن الفعل لايجب ان يصدر من هؤلاء أي يصدر ويخمد في زمن معدوم. ولكن حتى في هذه الحالة فان تواجدهم ذاته يعد خطرا لان المنع الذي يكون قد أحرز يتعلق بفعل معين بلحظة زمنية، ولكن الطرف المعني له قدرة كامنة أي ممكنة تمتد على خط زمني يتواصل بتواصل وجوده، عليه فان الحل لإخراج هؤلاء من دائرة الفعل هو العمل على إلغاء القوة الكامنة لإنتاج المواقف لدى هؤلاء، ولايكون ذلك إلا بتدمير مصدر تلك القوة لديهم، وهذا الهدف يتم من خلال تدمير المصدر المادي لإنتاج الفعل مضافا إليه تدمير شروط إنتاجه، بمعنى تدمير الشروط التي تمكن هؤلاء من القدرة على تمرير منكراتهم بحرية وهي شروط نسبة لطبيعتها فهي شروط مادية و غير مادية كالنفسية وما شابه ونسبة للمجال المكاني فهي شروط محلية ودولية.
إذا اعتمدنا مقياس مستوى زمن ردود الفعل ضد أهل الباطل هؤلاء، فان هذا المقياس يحيلنا على نتائج سلبية، فاغلب التنظيمات والشخصيات العاملة في حقل إنتاج الباطل وتزيينه بتونس، لم تغلق أو تتوقف منذ انطلاقتها وحتى إن وقع فلاعتبارات أخرى لاعلاقة لها بضغوط التونسيين، بمعنى أنها أطراف متواصلة زمنيا، مما يؤكد انعدام مواقف للتونسيين تعيق عملها.
إذا اعتمدنا مقياس قوة ردة الفعل، فهذا مقياس وان كان يمكن تسجيل بعض النتائج من خلاله (الموقف ضد إحداهن هاجمت الحجاب من خلال عمل صنف على انه فني)، فانه يبقى اقل من أن يرتقي لمستوى يلغي حقيقة سلبية التونسيين إزاء من يحاربهم في عقائدهم، إذ لايكاد يذكر عدد المرات التي تراجع فيها هؤلاء عن بث سمومهم مقابل ماقذفوه في وجه التونسيين وأنتجوه من أعمال قمة في الدناءة تدعو للفجور وتعلي من شان أصحابه و تمجد الزناة والشواذ و تسخر من الحجاب و تدعو لتغيير الثابت من الإسلام كالميراث أو تشكك في القرآن والنبي والصحابة، أو تطبع مع الانحرافات كترويج مصطلح الأم العزباء والأسرة ذات القطب الواحد.
وعليه فإنه يمكن بكل يسر تأكيد ضعف مواقف التونسيين إزاء من عمل على استهدافهم في عقيدتهم ولغتهم، ووصلت جرأته إلى حد النبش في أسس الإسلام من خلال محاولات إعادة قراءته حسب مصالحهم ومصالح من يساندهم، وطرح تلك الممارسات على أنها من العلم والثقافة.